انتقل إلى المحتوى

الاقتصاد المقاوم

من ویکي‌وحدت
مراجعة ١١:٣٢، ١٠ فبراير ٢٠٢٦ بواسطة Negahban (نقاش | مساهمات) (انظر أيضاً)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)

الاقتصاد المقاوم يُعدّ من المفاهيم الحديثة والمركزيّة في الفكر الاقتصادي الإسلامي المعاصر، ويشير إلى منظومة اقتصادية تهدف إلى تحقيق الاستقلالية الوطنية، والاعتماد على الذات، وتقليل التبعية الاقتصادية الخارجية، مع تعزيز العدالة الاجتماعية والاستقرار المالي والسياسي. ويُستند هذا المفهوم إلى مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية، ويُعتبر جزءاً من الرؤية الشاملة لتحقيق النهضة الإسلامية والتنمية المستدامة في المجتمعات الإسلامية[١].

ويُنظر إلى الاقتصاد المقاوم باعتباره استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل البعد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، بحيث يعزز القدرة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية العالمية، ويضمن توجيه الموارد الوطنية نحو تحقيق مصلحة المجتمع، دون الانجراف وراء الضغوط أو الهيمنة الاقتصادية الخارجية.

التعريف اللغوي والاصطلاحي

مصطلح «الاقتصاد المقاوم» مركّب من كلمتين مترابطتين:

«الاقتصاد» بمعنى تنظيم الموارد وإدارة النشاطات المالية والإنتاجية بكفاءة[٢].

«المقاوم» بمعنى القدرة على التحمل والصمود أمام الضغوط والتحديات[٣].

وفي الاصطلاح الحديث، يُفهم الاقتصاد المقاوم على أنه نظام يسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية، وحماية الموارد الوطنية من التبعية الخارجية، مع تعزيز العدالة في توزيع الثروة، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بهدف تقليل الاعتماد على التمويل والاستيراد الخارجي.

الأسس القرآنية والفقهية

يقوم الاقتصاد المقاوم على أسس قرآنية تدعو إلى العدل والإنصاف وحفظ الحقوق الاقتصادية للفرد والمجتمع. ومن أبرز النصوص:

  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1)[٤].
  • ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الأعراف: 85)[٥].
  • ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ (التوبة: 105)[٦].

وفي الفقه الإسلامي، يُؤكد العلماء على:

  • حماية المال العام والموارد الطبيعية.
  • منع الاحتكار والغش المالي.
  • دعم الصناعات المحلية والاستثمار المنتج.
  • تعزيز التكافل الاجتماعي ورعاية الفئات الضعيفة.

كما ورد في السنة النبوية ما يدلّ على أهمية تحقيق الاكتفاء والاعتماد على الذات، فعن النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»[٧]، وهو ما يمكن فهمه على مستوى الاقتصاد الوطني كمؤشر على قدرة الأمة على الصمود.

الأبعاد الاجتماعية والسياسية

الاقتصاد المقاوم يربط بين الاستقلالية الاقتصادية والسيادة السياسية، إذ تُظهر التجارب التاريخية أن الدول التي تمتلك اقتصاداً مستقلاً تكون أكثر قدرة على حماية قراراتها السياسية والاجتماعية من الضغوط الخارجية. كما يعزز هذا الاقتصاد العدالة الاجتماعية، إذ يتيح توزيع الموارد بشكل متوازن ويعطي الأولوية للفئات المهمشة، ما يعكس التزاماً إسلامياً بالقيم الأخلاقية والاجتماعية.

التحليل التاريخي والتطبيقي

تاريخياً، حاولت الدول الإسلامية منذ العصور الوسطى وحتى العصر الحديث تحقيق شكل من أشكال الاقتصاد المقاوم، سواء من خلال تقليل الاعتماد على التجارة الخارجية أو تعزيز الصناعات المحلية.

في العصر العباسي، اهتم الخلفاء بتنظيم الأسواق والحفاظ على الموارد الزراعية لضمان اكتفاء المدن الكبرى.

في القرن العشرين، ركزت بعض الدول الإسلامية مثل إيران وماليزيا على سياسات الاكتفاء الذاتي في الطاقة والصناعة، وهو ما يمكن اعتباره نموذجاً معاصراً للاقتصاد المقاوم.

تُظهر التجارب الحديثة في إندونيسيا وتركيا أهمية دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والحفاظ على السيطرة الوطنية على الموارد الحيوية.

هذا التحليل يظهر أن الاقتصاد المقاوم ليس مجرد نظرية، بل تطبيق عملي يمكن تكييفه بحسب الظروف التاريخية والجغرافية والسياسية لكل دولة.

نماذج تطبيقية من الدول الإسلامية

إيران: اعتمدت على السياسات الاقتصادية المقاوِمة لتعزيز الاكتفاء الذاتي في الطاقة والصناعة، وتطوير البنية التحتية المحلية[٨].

ماليزيا: نفذت برامج لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة والاعتماد على الموارد الوطنية لتقليل الاعتماد على الواردات[٩].

تركيا: ركّزت على الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة ضمن استراتيجيات الاقتصاد المقاوم، بما يعزز الأمن الاقتصادي والسياسي.

الاقتصاد المقاوم ووحدة الأمة الإسلامية

يشكّل الاقتصاد المقاوم أداة لتعزيز وحدة الأمة الإسلامية، إذ يمكن للدول الإسلامية التعاون في مشاريع إنتاجية مشتركة، ودعم التجارة الداخلية بين الدول الإسلامية، وتقليل التبعية الاقتصادية للقوى الأجنبية، ما يعزز التضامن والتكامل الاقتصادي بين شعوب الأمة.

كما يربط بين الاستقلال الاقتصادي والقدرة على مقاومة الهيمنة الفكرية والسياسية، وهو ما يجعل الاقتصاد المقاوم جزءاً من المشروع الحضاري الشامل للأمة.

انظر أيضاً

المصادر

  • القرآن الكريم.
  • ابن منظور، لسان العرب.
  • الواعظ زاده، محمد، "الاقتصاد المقاوم في الفكر الإسلامي"، 2023.
  • الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن.
  • أحمد عبد الغني، "مبادئ الاقتصاد الإسلامي"، 2021.
  • مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم.
  1. الواعظ زاده، دراسة حول الاقتصاد المقاوم، 2023.
  2. ابن منظور، لسان العرب، مادة «اقتصاد».
  3. ابن منظور، لسان العرب، مادة «قوّم».
  4. القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 1.
  5. القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 85.
  6. القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 105.
  7. مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان.
  8. الواعظ زاده، دراسة حول الاقتصاد المقاوم، 2023.
  9. أحمد عبد الغني، مبادئ الاقتصاد الإسلامي، 2021.