التقليد في الفروع
أحياناً يثار هذا السؤال: لماذا يجب التقليد في الأحكام الشرعية؟ وأساساً هل التقليد عمل صحيح؟ ينبغي على الإنسان أن يتحرّك في الفحص والبحث عن تكليفه الشرعيّ من موقع التحقيق والتفكّر والتدبّر، والتقليد أي الرجوع إلى أشخاص مثله في تشخيص ما ينبغي أو ما لا ينبغي عمله، بمعنى تجميد الذهن وتحنيط العقل، وليس له نتيجة سوى الابتعاد عن قافلة الرشد والتطوّر والتقدم. مضافاً إلى ذلك فإنّ القرآن الكريم تحرّك على مستوى تقبيح عمل الجاهليين بسبب تقليدهم للماضين وطلب منهم التحرّك في خطّ العقل والبصيرة والاستدلال، بل نهى بصراحة عن السير والحركة في مواطن الشكّ وعدم العلم: «وَ لَاتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» [١]. وينطلق البحث في مقام الإجابة عن هذه الأسئلة وبيان حقيقة التقليد في الدين وأدلّة التقليد لعلماء ومراجع الدين، على ضوء مدرسة أهلالبيت عليهم السلام ومدرسة أهل السنّة، وتعيين مساحات التقليد وذلك في إطار عدّة مسائل:
التقليد في اللغة والاصطلاح
التقليد في اللغة
«تقليد» مصدر «قلّد» بمعنى وضع القلادة على رقبة الآخر، و«تقليد البدنة» بمعنى وضع علامة على رقبة البعير الذي يساق إلى الهدي في موسم الحجّ. وفي «أقرب الموارد»: «قلّد المرأة القلادة: جعلها في عنقها» [٢].وجاء في «الصّحاح»: «و تقليد الولاة الأعمال» أي من هذا الباب نصب الولاة لتنفيذ الأعمال.ثمّ يضيف: «ومنه التقليد في الدين» [٣]. يأتي بهذا المعنى أيضاً: «وكأنّ الإنسان يضع قلادة المسؤولية والعمل بعهدة المقلَّد».وجاء في «لسان العرب» هذا المعنى أيضاً [٤].ومع الالتفات للتعاريف المختلفة الواردة في كتب اللغة للتقليد يمكن استخلاص نقطتين من الأوجه المشتركة بينها: 1. إنّ مفردة «تقليد» تأخذ مفعولين وتأتي بمعنى وضع القلادة على رقبة شخص آخر، فمعنى قلَّدت الفقيه «صلاتي وصومي» يعني وضعت مسؤولية صحّة صلاتي وصومي بعهدة ذلك الفقيه. 2. إذا كانت «في» تتعدّى إلى مفعول ثانٍ، فتأتي بمعنى التبعية مثلًا «قلَّده في مشيه أي تبعه فيه». ولذلك إذا قيل «إنّ الشخص الفلاني يقلّد ذلك الفقيه في صلاته وصومه، يعني يتبعه في صلاته وصومه» [٥].
التقليد في الاصطلاح
والمعنى الاصطلاحي للتقليد مقتبس أيضاً من معناه اللغوي، ويأتي بمعنى «رجوع الجاهل في المسائل الدينية للمختصّين في هذه المسائل». وقد أورد الفقهاء والأصوليون في تعريفهم الاصطلاحيّ للتقليد تعبيرات مختلفة من قبيل: 1. قبول قول الغير [٦]. 2. العمل بقول الغير [٧]. 3. الأخذ بقول الغير [٨]. ورغم أنّ هذه التعاريف تشير في مضمونها إلى معنىً واحد ولكن مع التأمّل فيها من موقع الدقّة تتجلّى لنا ثلاثة مفاهيم مختلفة: 1. العمل بقول شخص آخر 2. الأخذ بقول الآخر بقصد العمل به، بدون اشتراط العمل به 3. الالتزام القلبيّ بالعمل وإن لم يأخذ الفتوى منه ولم يعمل بها [٩]. جاء في «تحريرالوسيلة»:«التقليد هو العمل مستنداً إلى فتوى فقيه معيّن» [١٠].
وجاء في «أنوار الاصول»:«التقليد هو الاستناد إلى رأي المجتهد في مقام العمل» [١١]. ويقول الدكتور عبدالكريم النملة:«التقليد اصطلاحاً هو قبول مذهب الغير من غير حجّة» ثمّ يقول: وعليه إذا عرف شخص دليل وحجّية قول المجتهد وقَبل به (مثلًا إذا وافق مجتهد مجتهداً آخر إنطلاقاً من قبوله لرأيه) فلا يقال لهذه الموافقة تقليداً، وكذلك في الرجوع إلى قول النبيّ صلى الله عليه و آله والرجوع إلى الإجماع لا يعتبر تقليداً، لأنّ قول النبيّ صلى الله عليه و آله والإجماع في نفسه حجّة فلا يقال لهذا العمل تقليد [١٢]. ولا يخفى أنّه إذا كان التقليد بمعنى التبعية للمختصّين والخبراء في الأمور الدينية فإنّ الرجوع إلى كلام النبيّ صلى الله عليه و آله أيضاً يعدّ من قسم التقليد، وإن لم يطلق عليه التقليد الاصطلاحي المتعارف. على أيّة حال، فمن الواضح أنّ التقليد الاصطلاحي يعني رجوع الأشخاص غير المتخصّصين بالأمور الدينية إلى أهل الخبرة والعلماء في هذه الأمور (وإن كانت مساحة هذا التقليد محلّ بحث كما سيأتي).
التقليد في سياق الروايات
وجاءت كلمة التقليد ومشتقّاتها في سياق الروايات الشريفة أحياناً بمعناها اللغوي وأخرى بمعناها الاصطلاحي. وبالنسبة لما ورد في المعنى اللغوي للتقليد يمكن الإشارة إلى موردين من ذلك. 1. عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال فيما يتعلّق بالخلافة والإمامة:«... فَقَلَّدَها رَسولُ اللَّهِ عَليّاً». [١٣]. وجاء في «مجمع البحرين» في مادة «قلّد» في توضيح هذه العبارة:«ألْزَمَهُ بِها أيْ جَعَلَها في رَقَبَتِه ووَلّاه أمَرها» [١٤]. 2. وجاء في الحديث النبويّ، طبقاً لما نقله «كنز العمّال»:«مَنْ عَلَّمَ وَلَداً لَهُ القُرآنَ، قَلَّدَهُ اللَّهُ قِلادَةً يَعْجَبُ مِنْها الأوّلونَ والآخِرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ» [١٥]. وبالنسبة للمعنى الاصطلاحي للتقليد يمكن الإشارة إلى حديثين في ذلك: 1. عندما أرسل عليّ بن أبي طالب عليه السلام صعصعة بن صوحان إلى الخوارج قالوا له: أرأيت لو كان عليّ معنا في موضعنا أتكون معه؟ قال: نعم، قالوا:«فَأنْتَ إذاً مُقَلِّدٌ عَلِيّاً دِيْنَكَ، إرْجِعْ فَلا دِيْنَ لَكَ».فقال لهم صعصعة: «وَيْلَكُم ألاأُقَلِّدُ مَنْ قَلَّدَ اللَّه، فَأَحْسَنَ التَّقْلِيدَ؟» [١٦]. 2. يقول أبوبصير: «دخلت أُمّ خالد العبدية» على أبي عبداللَّه (الإمام الصادق عليه السلام) فقالت: جعلت فداك إنّه يعتريني في بطني وقد وصف لي أطبّاء العراق النبيذ بالسويق وقد وقفت وعرفت كراهتك له فأحببت أن أسألك عن ذلك، فقال لها:«وما يمنعك عن شربه؟»فقالت:«قد قلّدتك ديني» [١٧]. 3. وجاء في مرسلة «الاحتجاج» عن الإمام العسكريّ عليه السلام:«فَأَمّا مَنْ كانَ مِنَ الفُقَهاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ، حَافِظاً لِدِينِهِ، مُخالِفاً لِهَواهُ، مُطِيعاً لأمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أنْ يُقَلِّدُوهُ» [١٨].وبالرغم من أنّ ما ورد في هذه الروايات ناظر إلى إطاعة الإمام المعصوم الذي كلامه حجّة، وهذا المعنى يختلف عن التقليد الاصطلاحي المتعارف في هذا العصر، لأنّ ما يراد بتقليد المجتهدين في هذا الزمان هو أن يقوم المجتهد باستنباط الحكم الشرعي الفرعي من خلال البحث والاستفادة من كتاب اللَّه وسنّة المعصومين ثمّ يلقيه إلى المقلّد، ومثل هذه المسألة تختلف عن سماع الحكم الشرعي من الإمام المعصوم نفسه والتحرّك في مقام الطاعة والامتثال لأمره، ولكن أولًا: إنّ بعض الروايات تحدّثت عمّا يتّصل بتقليد الفقهاء، وثانياً: إنّ ما ورد في الروايتين يرتبط بما نحن فيه من مسألة تقليد الفقهاء، لأنّ مفهوم التبعيّة موجودة في كلّ من تقليد الفقيه ومن تقليد المعصوم.
ضرورة التقليد في فروع الدين
إنّ فروع الدِّين أو الأحكام العمليّة، عبارة عن «الوظائف والتكاليف الشرعية التي يجب على المكلّفين العمل بها» [١٩]. وبما أنّ كلّ عمل له حكم خاصّ، فإنّ المكلّف يجب عليه معرفة هذه الأحكام الشرعية والعمل طبقاً لها. ومن جهة أخرى نعلم أنّ تحصيل العلم بالأحكام العملية والتوصّل إلى معرفة الفروع الدينية بحاجة إلى الإحاطة بعلوم كثيرة، كمقدّمة لتحصيل العلم بالأحكام حيث يقوم المجتهد بتحصيلها والتدبّر فيها والعمل على الاستفادة منها في مقام الممارسة ليتمكّن بالتالي من استنباط الأحكام الشرعية: (انظر: مقالة العلوم المقدّمة للاجتهاد) في هذا الكتاب. وبديهيّ أنّ معرفة هذه العلوم والإحاطة بها وبالتالي تحصيل ملكة الاستنباط، ليس بالأمر اليسير الذي يتمكّن كلّ شخص تحصيله، لأنّه من جهة لا يملك جميع الناس القدرة والباعث على التوغّل في هذا الميدان، ومن جهة أخرى إذا أراد الجميع (في صورة القدرة) أن يتحرّكوا على مستوى تحصيل هذه العلوم، فإنّ الأمور الاجتماعية الأخرى للمجتمع البشريّ ستتعرّض للخطر، ومثل هذا الأمر، يعني الضرورة في مسألة تقليد المجتهدين وعلماء الدين؛ بمثابة حلّ لهذه المشكلة. يقول الغزالي: «إنّ الإجماع منعقد على أنّ العاميّ مكلّف بالأحكام، وتكليفه طلب رتبة الاجتهاد محال، لأنّه يؤدّي أن ينقطع الحرث والنسل، وتعطيل الحرف والصنائع ويؤدّي إلى خراب الدنيا لو اشتغل الناس بجملتهم بطلب العلم. النتيجة (لابدّ لطائفة من الناس الاشتغال بطلب العلم) إذا استحال هذا لم يبق إلّاسؤال العلماء» [٢٠]. إنّ أكثر العلماء الإمامية وأهل السنّة انظر: [٢١]. ذهبوا إلى جواز أو لزوم التقليد [٢٢]. في فروع الدين، ولم ينكر ذلك سوى عدّة قليلة من العلماء.
أدلّة التقليد في فروع الدين
وقد استدلّ الفقهاء والأصوليّون من أهل السنّة والإمامية على جواز أو لزوم التقليد بعدّة أدلّة، أهمّها ما يلي:
الدليل العقلي
نظراً إلى أنّ كلّ مسلم مكلّف بأداء الواجبات الشرعية وامتثال الأوامر الإلهيّة، وبالتالي يحتاج إلى معرفة الأحكام العملية من الواجبات للعمل بها ومعرفة المحرّمات لاجتنابها، ومن جهة أخرى فإنّ كلّ شخص لا يمتلك القدرة على استيعاب وتعلّم جميع الأحكام على مستوى الاجتهاد ومعرفة التفاصيل من موقع العمق والدقّة، فعلى هذا الأساس يحكم العقل في هذه الصورة بضرورة الرجوع إلى الخبراء والمتخصّصين في العلوم الدينية. يقول الفخر الرازي: «إنّ العاميّ إذا نزلت به حادثة من الفروع فإمّا أن لا يكون مأموراً فيها بشيء، وهو باطل بالإجماع، لأنّا نلزمه إلى قول العلماء، والخصم يلزمه الرجوع إلى الاستدلال، وإمّا أن يكون مأموراً فيها بشيء، ذلك إمّا بالاستدلال أو التقليد، والاستدلال باطل لأنّه إمّا أن يكون هو التمسّك بالبراءة الأصلية (البراءة قبل التكليف وقبل الشرع) أو التمسّك بالأدلة
المصدر
*موسوعة الفقه الاسلامي المقارن، مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر، ج1، ص 411 الى ص420.
- ↑ سورة الاسراء، الآية 36
- ↑ أقرب الموارد، مادّة «قلد»
- ↑ الصحاح، ج 2، ص 527
- ↑ لسان العرب، ج 3، ص 367
- ↑ اصطلاحات الأصول لآية اللَّه المشكيني، ص 19
- ↑ ذخيرة المعاد للمحقق السبزواري، ج 2، ص 219؛ فتح القدير للشوكاني، ج 3، ص 399
- ↑ عدّة الأصول، ج 1، ص 46؛ شرح الأزهار، ج 1، ص 3
- ↑ الاجتهاد والتقليد للإمام الخميني، ص 59
- ↑ أنوار الاصول، ج 3، ص 589
- ↑ تحرير الوسيلة، ج 1، المقدّمة، ص 8
- ↑ أنوار الاصول، ج 3، ص 590
- ↑ المهذب في علم أصول الفقه المقارن، ج 5، ص 2387
- ↑ معاني الأخبار، ص 97، ح 2
- ↑ مجمع البحرين، ج 3، ص 540
- ↑ كنز العمّال، ج 1، ص 533، ح 2386
- ↑ بحار الأنوار، ج 33، ص 402
- ↑ الكافي، ج 6، ص 413، ح 1
- ↑ الاحتجاج، ج 2، ص 263؛ وسائل الشيعة، ج 18، ص 95، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، ح 20
- ↑ قالوا في تعريف موضوع علم الفقه: «هو نفس الأحكام الشرعية أوالوظائف العمليّة من حيث التماسها من أدلتها» (الأصول العامة للفقه المقارن، ص 15)
- ↑ المستصفى، ج 2، ص 389
- ↑ المستصفى، ج 2، ص 389؛ المحصول في علم الأصولللفخر الرازي، ج 2، ص 458؛ الإحكام في الأصول الأحكام، ج 4، ص 450؛ المهذب في علم أصول الفقه المقارن، ج 5، ص 2392؛ الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 13، ص 160؛ كفاية الأصول، ص 472؛ موسوعة آية اللَّه الخوئي، ج 48، ص 538؛ أنوار الاصول، ج 3، ص 593
- ↑ إنّ التعبير بالجواز أو الضرورة ناشىء من أنّ الجواز يقع في مقابل حرمةالتقليد في فروع الدين، ولكن بما أنّ الناس مكلّفون بالعمل بالفروع الدينية وأنّ الكثير منهم غير مجتهد، ففي مقام العمل توجد ضرورة الرجوع إلى المجتهدين