المصلحة والمفسدة

من ویکي‌وحدت

المصلحة والمفسدة: وهما جلب منفعة ودفع مضرة. ويعرّفها البعض في إطار المقاصد الشرعية ويساوق بينهما. ولکن يذهب بعض آخر إلى أنّه ليس للفقهاء اصطلاح خاصّ للمصلحة والمفسدة سوى ما لهما من المعنى اللغوي والعرفي، فكلّ منهما حقيقة عرفية عامّة لا عرفية خاصّة ولا حقيقة شرعية ولا متشرعية.

الحکم

تعريف المصلحة والمفسدة لغةً

الصلاح ضدّ الطلاح، صَلَحَ الرجلُ صلاحا وصُلوحا. ويقال صلُح أيضا [١]. الصلاح ضدّ الفساد[٢].
والمصلحة: الصلاح. والمصلحة واحدة المصالح. والاستصلاح نقيض الاستفساد. وأصلح الشيء بعد فساده: أقامه[٣].
الفساد نقيض الصلاح... والمفسدة خلاف المصلحة، والاستفساد خلاف الاستصلاح. وقالوا: هذا الأمر مفسدة لكذا أي فيه فساد[٤]. ومصلحة أي خير[٥]. والمفسدة خلاف المصلحة، الجمع المفاسد[٦].

تعريف المصلحة والمفسدة اصطلاحاً

تختلف كلمات الاُصوليين في تعريف المصلحة والمفسدة، ويبدو من بعضها أنّها تريد ذات المعنى المراد لغة وعرفا، وبعضها الآخر غير واضح في هذا المضمار، نورد نماذج منها:
إنّها جلب منفعة أو دفع مضرة[٧].
لكن يعلق الغزالي على هذا التعريف بقوله: «ولسنا نعني به ذلك، فإنّ جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنَّا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع»[٨]. وما يوافق الإنسان في مقاصده لدنياه أو لآخرته أو لهما [٩].
عرّفها الشاطبي في (الاعتصام) بقوله: ما فهم رعايته في حقّ الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه[١٠].
بينما عرّفها في (الموافقات) بقوله: ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان تمام عيشه ونيله ما تقتضيه أوصاف الشهوانية العقلية، حتّى يكون منعما على الإطلاق[١١].
ويعرّفها البعض في إطار المقاصد الشرعية ويساوق بينهما، حيث ورد عن الرازي: الوصف الذي يتضمّن في نفسه أو بواسطة حصول مقصود من مقاصد الشرع دينيا كان ذلك المقصود أو دنيويا. ويمثّل لها بحفظ النفوس والفروج والأموال[١٢]. وهي من المقاصد الشرعية.
بل الكثير من اُصوليي أهل السنة لم يفرّق بين المقاصد والمصالح، ولذلك نجد عند تقسيمهم للمقاصد إلى ضرورية وحاجية وتحسينية أو قطعية وظنّية تارة يستخدمون مفردة مقاصد واُخرى مفردة مصالح[١٣]، ما يعني مساوقتهم بين المفردتين.
كما أنّ الغزالي عندما يعرّف المصلحة ويساوق بينها وبين المقاصد ويقول: «فإنّ جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنّا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشارع ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم»[١٤].
وقد يقال في العلاقة بينهما بأنّ الصلاح أو جلبه ودرء الفساد هو أعظم مقصد الشريعة، أي أنّ المصلحة هي أحد مصاديق المقاصد أو أنّ متعلّق المقاصد أو غايات الشريعة هي المصالح[١٥].
وقد تعرّف باللّذة، حيث ورد عن العز بن عبد السلام قوله: «المصالح ضربان: أحدهما حقيقي وهو الأفراح واللّذات، والثاني مجازي، وهو أسبابها»[١٦].
وعرَّفها البعض بقوله: «المصلحة هي اللّذة ووسيلتها، والمفسدة هي الألم ووسيلته»[١٧].
ويقابل المصلحة، المفسدة، وقد ورد في تعريفها: المفسدة نقيض المصلحة وتبين حقيقتها. منها: الضرر وكلّ ألم أو غمّ أو ما يؤدّي إلى أحدهما [١٨].

الألفاظ ذات الصلة

1 ـ ملاك

يستخدم هذا الاصطلاح في كلمات الاُصوليين ـ وفق التتبّع ـ للإشارة في كثير من الأحيان إلى المصلحة والمفسدة المستبطنة في الحكم، والتي دعت إلى إيجاب المتعلّق أو تحريمه أو ما شابه، والأوامر والنواهي في حقيقتها كاشفة عن الملاك الذي هو مصلحة أو مفسدة[١٩].

2 ـ علّة

وردت عدّة تعاريف لـ العلة، منها: كونها الأمارة أو المؤثّر أو المعرّف للحكم، ومنها: كونها الوصف المستنبط المشتمل على مصلحة. وبناءً على التعريف الأخير لا بدّ للعلّة أن تستبطن المصلحة[٢٠].

3 ـ حكمة

هناك تعاريف عدّة وردت للحکمة، فقد عرّفها الغزالي بقوله: «المصلحة المخيلة المناسبة»[٢١].
وعرّفت أيضا بكونها المصلحة المقصودة للشارع من تشريع الحكم[٢٢]. وبذلك تكون الحكمة مساوقة للمصلحة.
وهناك من الاُصوليين من يطلق الحکمة على معنيين:
الأوّل: الأمر الذي إذا نظر إليه في ذاته يُظنّ أنّه علّة.
والثاني: ما يترتّب على التشريع من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وجاء بشواهد على هذين الاطلاقين[٢٣].
فرّق النائيني بين الحکمة و العلة بأنّ الحكمة إذا تحقّقت فيمكن أن تكون علّة لتشريع حكم كلّي، بينما علة الحكم يدور الحکم مدارها ولا يتخلّف عنها [٢٤].

4 ـ مقاصد الشريعة

عرّفت المقاصد بتعاريف عديدة مثل: كونها المعاني أو الأوصاف الموجبة والمؤثّرة في تشريع الحكم لكنّ جلّ التعاريف تذهب إلى المساوقة بين المقاصد والمصالح، ويبدو منها المرادفة بين الاثنين[٢٥].

أقسام المصلحة

وردت عدّة تقسيمات للمصالح نعرض لبعضها:

1 ـ المصالح المعتبرة والملغاة والمرسلة

هذا التقسيم بلحاظ اعتبارها وعدم اعتبارها شرعا، فالمصالح المعتبرة هي التي اعتبرها الشارع ورتّب عليها أحكاما، مثل: القصاص لاستيفاء حقّ القتل، وكذلك الجهاد لحفظ الدين.
والملغاة هي التي لغاها الشارع وأسقطها ولم يرتّب عليها أحكاما، مثل: صيام شهرين بنحو تعيني على الغني الذي وطأ في نهار شهر رمضان؛ لأنّ ذلك أزجر له من الاُمور الاُخرى. فيقال: بأنّ الشارع قد ألغى هذه المصلحة، وجعل الكفّارة اختيارية بين ثلاثة اُمور.
و المصالح المرسلة هي التي لم يشرّع لها الشارع ولم يلغها [٢٦].

2 ـ المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية

تمّ هذا التقسيم بلحاظ تأثيرها في المجتمع والأفراد، والمصالح أو المقاصد الضرورية هي التي يتوقّف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية بحيث إذا فقدت، اختلّت الحياة في الدنيا وشاع الفساد وضاع النعيم الأبدي وحلّ العقاب في الآخرة. وهي خمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وجارية في العبادات والعادات والمعاملات، ففي العبادات حفظ الدين والذي يتمثّل في الإيمان والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة. وفي العادات مثل حفظ النفس والعقل والمأكولات والمشروبات، وفي المعاملات مثل نقل الأملاك بعوض أو بغير عوض. وفي العقوبات مثل القصاص والديات[٢٧].
والحاجيات هي المصالح التي يحتاج إليها الناس للتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم، وإذا فقدت، لا يختلّ نظام حياتهم، لكن يلحقهم الحرج والمشقّة جراءها، ورتبتها بعد الضروريات.
ومثالها جلّ التشريعات التي وضعت لرفع الحرج والمشقّة، ففي العبادات مثل رخصة قصر الصلاة والإفطار للمسافر. وفي المعاملات العقود التي اُبيحت لتحقيق حاجات الناس من بيع وإجارة وما شابه. وفي العقوبات شرّع للولي حقّ العفو عن القصاص والأرش. وفي العادات مثل إباحة الصيد والتمتّع بالصيد[٢٨].
والتحسينيات أو الكماليات هي المصالح التي تقتضيها المروءة ويقصد بها الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق، وفقدانها لا يخلّ بنظام الحياة ولا يوجب الحرج والمشقّة، لكن تصبح حياة الناس مستقبحة وتأتي في المرتبة الثالثة.
مثالها في العبادات: تشريع الطهارة وستر العورة في الصلاة والتزام الزينة والطيب. ومثالها في المعاملات: تشريع الامتناع عن بيع النجاسات ومنع خِطبة شخص على خِطبة آخر والأمر بالرفق بالزوجة والإحسان إليها. ومثالها في العقوبات: منع التمثيل بالقتلى وتحريم قتل النساء والأطفال في الحروب. ومثالها في العادات: آداب الأكل والشرب والاجتناب عن المأكولات النجسة والمشارب المستخبثة والإسراف والاقتار في المتناولات[٢٩].
وهناك أقسام اُخرى تُدعى مكملات المقاصد السابقة، أي كونها مكملات لكلّ من الضروريات والحاجيات والتحسينيات. فمكمل الضروريات مثل: المماثلة في القصاص فهو مكمل لحفظ النفس، وتحريم شرب الخمر القليل حفظا للعقل؛ لأنّه يؤدّي إلى شرب الكثير. ومكمل الحاجي مثل: اشتراط الكفاءة بين الزوجين لتحقيق الوفاق والوئام بينهما. ومكمل التحسيني: كآداب الأحداث ومندوبات الطهارات والإنفاق من طيّبات المكاسب عند التصدّق.
وهناك تفاصيل وأمثلة كثيرة لكلّ من الأقسام المتقدّمة، وأقدم البعض على التوسعة فيها والبحث عن مصاديقها في الشريعة[٣٠].

3 ـ المصالح الكلّية والجزئية والأغلبية

تمّ هذا التقسيم باعتبار تعلّقها بعموم الاُمة ومعظمها أو ببعض أفرادها، فالكلّية هي المصالح التي يعود نفعها إلى عموم الناس، مثل: حماية العقيدة وحماية الأماكن المقدّسة مثل مكّة المكرمة.
وقد يعود نفعها إلى جميع الاُمة مثل حفظ مكّة، وقد يعود نفعها إلى معظم الاُمة مثل المصالح الخاصّة ببعض الأمصار والقبائل من التجارة والصناعة وغيرها ممّن تخصّ أماكن وأمصارا أو قبائل وقوميات خاصّة. أمّا المصالح الجزئية فهي المصالح التي تعود إلى الأفراد، ومثالها جميع الأحكام الفردية الواردة في الشريعة والتي تكفلت بحفظ مصالح الأفراد.
والمصالح الأغلبية: هي التي تتعلّق بأغلب الناس، كبناء المصارف الإسلامية لتحفظ أموال الناس، وكذا المستشفيات والمدارس، فهي تعمّ أغلب أفراد الاُمة[٣١].

4 ـ تقسيمات اُخرى

قد تكون هناك تقسيمات أخرى غير مشهورة، ووردت عن بعض الاُصوليين، منها التقسيم الوارد عن العز بن عبدالسلام، فهو يرى المصلحة هي اللّذة وأسبابها، ويقسّمها إلى أربعة أنواع:
الأوّلان هما: اللّذات وأسبابها.
والآخران هما: الأفراح وأسبابها [٣٢].

أحكام المصلحة

وقعت المصلحة موضع بحث الاُصوليين في عدّة مواطن:

الأوّل: دور المصلحة في علاج ما لا نصّ فيه

إنّ الآليات التي طرحها اُصوليو أهل السنة لمعالجة ما لا نصّ فيه غير قليلة، وقد كان للمصلحة في بعضها دور مهمّ فيها.
للمصلحة دور في القياس و الاستحسان و المقاصد الشرعية و المصالح المرسلة، فالقياس يعتمد في الأساس على العلة وعلى فكرة أن الأحكام مبنية على علل وأسباب شرّعت لأجلها، وهناك شبه اتّفاق بين علماء أهل السنّة على أنّ مرجع جميع الأسباب والعلل المستبطنة في الأحكام هو تحقيق مصالح العباد، أي جلب المنفعة لهم ودفع الضرر والمفسدة عنهم[٣٣].
وقد أدرج الاستحسان وفق طائفة من التعاريف ضمن المصالح المرسلة[٣٤]، كما أنّ هناك صنفا من أصناف الاستحسان يُدعى استحسان المصلحة، وهو عبارة عن الأخذ بمصلحة هي أقرب إلى مورد الشرع، فيها تحقيق مصلحة أو درء مفسدة، مثل: تجويز أبي حنيفة الزكاة لبني هاشم رعاية لمصالحهم وحفظا لهم من الضياع[٣٥].
أمّا المقاصد الشرعية والمصالح المرسلة فمن الواضح دور المصلحة الأساسي فيهما.

الثاني: دور المصلحة في معالجة التزاحم

للتزاحم معنيان، أحدهما: تزاحم الملاكات، والآخر: التزاحم في مقام الامتثال. وفي تزاحم الملاكات هناك نقاش بناء على مذهب المعتزلة القائلين بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها، من حيث إنّه قد يكون للفعل جهتان، أحدهما مصلحة تقتضي إيجابه، واُخرى مفسدة تقتضي تحريمه، وترجيح إحديهما على الاُخرى يعود إلى المولى وليس للعبد. من هنا ترك هذا البحث وعدّ دون جدوى؛ لكون هذا الترجيح من خصائص اللّه.
وبناء على المعنى الآخر للتزاحم، أي التزاحم في مقام الامتثال فهو من شؤون العبد وبحثه مثمرا، ويرجع أمر الترجيح بين الأمرين إلى العبد نفسه، وقد وضعت معايير للترجيح، منها: كون ملاك أحدهما أهمّ من ملاك الآخر. وقد وردت عن الاُصوليين طرقا يتمكّن من خلالها المكلّف تشخيص الأهمّية[٣٦].

الثالث: المصلحة كأحد مراتب الحكم

أورد بعض الاُصوليين مراتب للحكم، وعدّوا المصلحة أحد مراتب تكوين الحكم. وقد اختلفوا في تحديد المراتب.
قسم البعض المراتب كالتالي:
1 ـ اقتضاء الحكم، أي وجود ما يدعو الباري إلى الحکم، وضمّنوا هذه المرتبة المصلحة أو المفسدة التي تقتضي من الباري إنشاء الحکم.
2 ـ إنشاء الحكم.
3 ـ فعلية الحكم.
4 ـ التنجز واستحقاق المكلّف العقوبة على المخالفة[٣٧].
وقد تعرّضت هذه الرؤية لنقود وإشكالات عديدة[٣٨].
وهناك من ذهب إلى أنّ للحكم مرحلة واحدة، وهي مرحلة الجعل والاعتبار. وآخر ذهب إلى القول بوجود مرتبتين للحكم، هما: مرتبة الجعل ومرتبة المجعول، ولابدّ أن تكون المصلحة أو المفسدة خارجة عن أصل الحكم؛ لكون ملاك الحكم علّته وليس الحكم نفسه[٣٩].
أمَّا الشهيد الصدر الذي استخدم اصطلاح مبادئ الحكم للإشارة إلى المراحل المزبورة فيرى وجود مرحلتين للحكم، هما: مرحلة الثبوت ومرحلة الإثبات، كما يرى لمرحلة الإثبات خطوات ثلاث يتخطّاها كلّ مشرّع غالبا، وهي:
1 ـ الملاك.
2 ـ الإرادة.
3 ـ الاعتبار[٤٠].

الرابع: دور المصلحة في الفقه

بناء على رأي أكثر علماء الإسلام فإنّ الأحكام عموما شرّعت لأجل مصالح العباد، فالمعاملات والقصاص والديات وما شابه، استبطنت مصالح للعباد سعى الشارع توفيرها من خلال سنّ الأحكام ذات الصلة. هذا برغم أنّه لم يصرّح في نصوص كلّ من هذه الأحكام بهذا الموضوع، لكنّ هناك إشارات لهذا الموضوع في بعض النصوص مثل كون إرسال الرسل والرسالة رحمة للعالمين أو التعبير بأنّه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام أو ما شابه[٤١]. وهي جميعها تستبطن معنى رعاية مصالح العباد في التشريع الإلهي. وبلغ دور المصلحة في الفقه إلى مستوى حيث ينسب إلى نجم الدين الطوفي وغيره ترجيح المصلحة عند تعارضها مع النص و الإجماع بأدلّة مثل حديث «لا ضرر ولا ضرار» وآيات قرآنية وأدلّة عقلية[٤٢]. ومع غضّ النظر عن صحّة هذا الرأي أو عدم صحّته فإنّه يعكس مدى أهمّية المصلحة من وجهة نظر هؤلاء.
كما أنّ هناك الكثير من الأحكام ابتنت أو رتّبها الفقهاء على المصالح والمفاسد بصراحة، والموارد التالية نماذج منها:
1 ـ الأحكام الحكومية. لقد ابتنى هذا الصنف من الأحكام على المصالح العامّة التي يحددها الحاكم وتستهدف الحفاظ على البلدان الإسلامية وشعوبها، وطبيعتها تتغيّر بتغيّر المصالح وفق ما يقتضيه الزمان و المكان[٤٣].
2 ـ بعض الموضوعات الفقهية، مثل عدم جواز التقرّب من مال اليتيم إلاّ لمصلحة، تفسيرا لقوله تعالى: «وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِـيمِ إِلاّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ»[٤٤]. فقد فسّرت الفقرة الأخيرة بالمصلحة، فهي التي تجوّز الاقتراب والتصرّف بمال اليتيم. ومن الواضح أنّ الموضوع في مثل هذا الحکم متغيّر حسب الزمان و المكان، والمصلحة هي المقياس في جميع الأزمنة والأمكنة.
3 ـ إمكانية تغيير الأحكام الأوّلية بسبب مصلحة، مثلاً إذا أدّى إقامة مراسم الحجّ إلى ضعف بلد إسلامي واحتمال هجوم الأعداء عليه بسبب غياب بعض المسلمين، فإنّ الحجّ يتحوّل إلى محرّم على ذلك البعض، وأحكام من هذا القبيل.
ومن هذا القبيل ما ورد عن عزّالدين بن عبد السلام قوله: «لو عمّ الحرام الأرض، بحيث لا يوجد فيها حلال، جاز أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجات ولا يقف تحليل ذلك على الضرورة؛ لأنّه لو وقف عليها، لأدّى إلى ضعف العباد واستيلاء الكفّار وأهل العناد على بلاد الإسلام، ولا نقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بـ مصالح الأنام»[٤٥].

الخامس: تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد

وهي من ضمن المسائل الكلامية التي دخلت على أصول الفقه[٤٦] وبرغم أنّها وردت في كلمات الاُصوليين كثيرا لكنّهم لم يتدارسوها في الاُصول وإذا وردت إشارات لها فليس تحت عنوان «تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد» فلا يوجد هكذا عنوان في الاُصول، بل تحت عناوين اُخرى مثل بحث اجتماع الأمر والنهي أو الأقلّ والأكثر والإشكالات الواردة في هذا الموضوع[٤٧]. وقد يكون هذا لعدم كونها مسألة اُصولية أو لعدم الاعتقاد بصحّتها أو اُمور اُخرى... وقد تكون له إشارات تحت موضوع التحسين والتقبيح، وتحت عنوان العلة؛ وذلك لأنّ القول بوجود مصلحة أو مفسدة في الأحكام الشرعية يستلزم القول بتعليل الأحكام وإمكانية القياس، والأخير يستلزم القول بإمكان إدراك العقل لـ الحسن والقبح، اللّذان هما مقياس المصلحة والمفسدة. ولذلك تناول ابن حزم هذا الموضوع تحت عنوان واحد، وهو العلل[٤٨].
ولا يبعد أن يكون قول البعض بعدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ناشئ عن سعيهم للهروب من القول بتعليل الأحكام والقياس في النهاية، كما هو واضح في كلمات ابن حزم الظاهري، حيث يقول في هذا المضمار: «... «وَلِـيَقُولَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللّهُ بِهـذا مَثَـلاً كَذ لِك َ يُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشآءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشآءُ». فأخبر تعالى أنّ البحث عن علّة مراده تعالى ضلالاً... وهذه كافية في النهي عن التعليل جملة، فالمعلل بعد هذا، عاص للّه عزّ وجلّ»[٤٩].
ويقول كذلك في هذا المجال: «إنّ أوّل ضلال هذه المسألة قياسهم اللّه تعالى على أنفسهم في قولهم: إنّ الحکم بيننا لا يفعل شيئا إلاّ لعلّة، فوجب أن يكون الحكيم عزّ وجلّ كذلك»[٥٠].
ويقول كذلك: «وأمّا قولهم: إنّه تعالى يفعل الأشياء لمصالح عباده فإنّ اللّه تعالى أكذبهم بقوله: «وَنُنَـزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُـوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُـؤْمِنِـينَ وَلايَزِيدُ الظّالِمِـينَ إِلاّ خَساراً». فليت شعري أيّ مصلحة للظالمين في إنزال ما لا يزيدهم إلاّ خسارا، بل ما عليهم في ذلك إلاّ أعظم الضرر وأشدّ المفسدة...»[٥١].
وقد يتناول هذا البحث تحت عنوان وجود أو عدم وجود ملاك للأحكام الشرعية، فإنّ القول بوجود ملاك يعني تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، والقول بعدمه يعني القول بعدم التبعية. وإذا قلنا بعدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، فلا ينبغي لنا أن نبحث عن ملاك للحكم[٥٢].
وهناك أقوال وآراء فيما يخصّ تبعية أو عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد:

الرأي الأوّل: تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد

وهو المنسوب إلى العدلية الإمامية أو المشهور عنهم[٥٣]، وذهب إليه بعض أهل السنة مثل الرازي[٥٤].
ويقال في توضيح هذا الرأي والاستدلال عليه: إنّ الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية، والأحكام الشرعية وإن تعلّقت بعناوين خاصّة كالصلاة والصوم والسرقة والغيبة، إلاّ أنّ المأمور به والمنهي عنه حقيقة هو المصالح والمفاسد. والسرّ في تعلّق الأحكام بعناوين، مثل: الصلاة والسرقة والغيبة هو عدم علم العباد بكيفية تحصيلها أو الاجتناب عنها، ولو اطّلع العقل بتلك المصالح والألطاف، لحكم بلزوم الإتيان بها. فالمصالح والألطاف هي المأمور بها بالأمر النفسي. والعناوين التي تعلّق بها الأمر والنهي، هي محصلات (بالكسر) تلك الغايات وأوامرها إرشادية مقدمية[٥٥].
ويضيف البعض على هذا كون الأحكام لابدّ أن تصدر عن مصلحة ومفسدة، ولا يمكنها أن تصدر جزافا؛ باعتبارها صادرة من حكيم[٥٦].
ويضيف آخر: وجود نصوص وروايات في علل الشرائع تضمّنت بيان مصالح الأحكام ومفاسدها [٥٧]، بل يرى البعض أنّ هذا ممّا نستفيده من القرآن و الروايات[٥٨].
ويورد البعض في توضيح التبعية: «إنّ مطلق المصلحة والمفسدة النفس الأمريتين ليس علّة تامّة للتكليف، بل لابدّ أن تكون ملزمة، بحيث لو كشف الغطاء، لحكم العقل بوجوب التكليف واستقبح خلافه»[٥٩].
واستدلّ الرازي على هذا القول بأدلّة واعتبارات عقيلة ونقلية:
الأوّل: لزوم كون أحكام اللّه صادرة لمرجح لا دون ترجيح وإلاّ لزم الترجيح دون مرجّح، وإذا كان هناك مرجّح فلابدّ أن يكون لمصلحة العبد لا لمفسدته.
الثاني: إجماع المسلمين بأنّ اللّه حكيم لا يفعل إلاّ لمصلحة وإلاّ كان عابثا، وهو محال على اللّه، للأدلّة العقلية والنقلية.
الثالث: إنّ اللّه خلق الآدميّ مكرّما ومشرّفا، وهذا يقتضي ألاّ يشرّع اللّه له حكما إلاّ لمصلحة.
الرابع: إنّ اللّه خلق العبد لعبادته، فإذا أمر عبده بشيء، فلابدّ أن يزيح عذره وعلّته ويسعى في تحصيل منافعه ودفع مضاره ليصير فارغ البال ويتمكّن من عبادته بخلوص.
الخامس: النصوص الدالّة على أنّ مصالح الخلق ودفع المضارّ عنهم مطلوب من قبل الشرع، وهي مثل: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ»[٦٠]. و «يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ»[٦١]. و«بعثني بالحنيفية السهلة السمحة»[٦٢] و«لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»[٦٣].
السادس: إنّه وصف نفسه بالرأفة والرحمة، وتشريع ما لا يكون فيه مصلحة للعبد يخالف رأفته ورحمته[٦٤].
وانقسم أتباع القول بالتبعية إلى عدّة طوائف:

القول بالتبعية النوعية في المتعلّقات

وهو رأي وسط بين القولين السابقين، ويُنسب إلى محقّقي الأشاعرة ويميل إليه بعض الشيعة مثل المحقّق النائيني. وبناءً عليه فإنّ أصل التبعية حاضرة في الأحكام لكن ليس تجاه كلّ أفراد الأحكام، بل متوجّهة إلى طبيعي الأحكام، بحيث يكفي تحقّق المصلحة أو المفسدة في بعض الأفراد دون بعض. واستلزام الترجيح دون مرجّح منتفٍ؛ لوجود مصلحة نوعية تنفي هذا الأمر.
ويمثّل لهذا الرأي برغيفي الجائع وطريقي الهارب مع تساوي الرغيفين والطريقين من جميع الجهات، فإنّه لا إشكال في اختيار أحد الرغيفين والطريقين مع أنّه ليس في اختيار ذلك مرجح أصلاً؛ لأنّ المفروض تساوي الفردين في الغرض من جميع الجهات[٦٥].
ورد البعض هذا الرأي بأنّ هذا الرأي يستلزم الترجيح بلا مرجح، كما هو الحال في القول بعدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد. وهو من الأحكام العقلية التي لا تقبل التخصيص؛ وذلك لأنّا إذا قلنا: بكون ملاك الحكم يكون في الطبيعة نفسها بلا دخل لخصوصية الأفراد، فتكون الطبيعة نفسها مأمورا بها، واختصاص بعضها بالحكم والإيجاد أو الاختيار والبعث يكون من الترجيح بلا مرجّح واختيار بلا ملاك، ومجرّد كون الطبيعة ذات ملاك لا يدفع استحالة التخصيص ببعض الأفراد بلا مرجّح وملاك، فإنّ كلّ ملاك يدعو إلى نفسه ولا معنى لدعوته إلى غيره.
وأمّا ما يُذكر من أمثلة جزئية، فهي لا يمكنها أن تكون برهانا، ولا يمكن إبطال البرهان بمثال جزئي، بل قد تكون هناك مرجّحات خفية قد يغفل عن تفصيلها الفاعل أو الآمر.
ثُمّ يذهب الإمام الخميني إلى أنّ القول دائر بين القول بتعلّق المصالح والمفاسد بالمتعلّقات أو بالطبيعة أو بالأوامر نفسها ممّا لا أصل له، ويطرح رأيا آخر، وهو إمكانية ألاّ يكون المتعلّق مصداقا ذاتيا للمصلحة، بل قد يكون مصداقا عرضيا، والمتعلّق بالذات هو إظهار الموافقة، كما يحصل هذا عند عامّة الناس[٦٦].

التبعية في نفس الأوامر والنواهي لا في متعلّقاتها

وهو لـ صاحب الكفاية، وقال: إنّ هناك مصلحة أو مفسدة في الأوامر والنواهي، لكن ليس في متعلّقاتها، بل في نفس الأوامر. وبناء عليه، تكون الأوامر عموما تشبه الأوامر والنواهي الامتحانية التي تكون المصلحة ليس في متعلّقها، بل في نفسها [٦٧].
لكن ردّه المحقّق النائيني بأنّه لو كانت المصالح والمفاسد في نفس الجعل لتحقّقت، دون حاجة إلى الامتثال ولا يبقى موقع للامتثال أصلاً [٦٨].

التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية

التفصيل بين الأحكام التكليفية فالمصالح والمفاسد في متعلّقاتها وبين الأحكام الوضعية التي تكون المصالح والمفاسد في نفس جعلها وتشريعها. وقد ذهب إلى هذا السيّد الخوئي[٦٩].
ومنها: تبعية الأحكام الكلّية للمصالح والمفاسد. أمّا الأحكام الجزئية فلا دليل على تبعيتها للمصالح والمفاسد، فالعبادات والمعاملات كأحكام كلّية تتبّع المصالح والمفاسد، بينما أحكام الشك والسهو في الصلاة مثلاً، فلا دليل على تبعيتها للمصالح والمفاسد. يُنقل هذا عن السيّد عبدالأعلى السبزواري[٧٠].

الرأي الثاني: عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد

كلمات بعض اُصوليي أهل السنة يبدو فيها اختلاف بين من يرى التبعية وبين من لا يراها [٧١]. ومن الذين مالوا إلى عدم التبعية، الآمدي فيقول في هذا المضمار: «... أنّه مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وأفعاله، وهو غير مسلّم على ما عرفناه في الكلاميات...»[٧٢]. وذهب إليه ابن حزم الظاهري[٧٣] وغيره كذلك[٧٤].
والذي يبدو من كلمات القائلين بهذا الرأي أنّ الدليل على عدم التبعية هو كون أفعال اللّه‏ معللة بالأغراض قضية مكنونة في المتعلّق، وغاية ما قام عليه الدليل هو امتناع الإرادة الجزافية عن اللّه‏ تعالى؛ للزوم العبث في فعله وظلمه لعباده في تكليفهم بالأحكام، وبما أنّ الأوامر والنواهي أفعال اختيارية له، فلا بدّ أن تكون معللة بالأغراض. ودفع العبثية كما يحصل من خلال القول باشتمال العناوين على مصالح ومفاسد قائمة بها كذلك يحصل بكون المصلحة في نفس البعث والزجر، بل يمكن أن يقال: بأنّ تلك العناوين هي مطلوبة بالذات، أو أنّ الأغراض اُمور اُخرى غير المصالح والمفاسد.
استدلّ ابن حزم على هذا الرأي ببعض الأحكام التي تبدو هي بضرر العباد وليس بصالحهم، فمثلاً تنزيل الكتاب السماوي وبرغم أنّه لصالح من آمن به إلاّ أنّه بضرر من لم يؤمن به.
كما استدلّ بالمظاهر الخارجية وأفعاله التكوينية التي لا يبدو منها أي مصلحة، فقد حبّب بين زوجين أطاعاه، وحبّب بين آخرين فعصياه، وأعطى نعما لقوم عصوه، وأعطى لقوم أطاعوه، مع أنّه لو كانت أفعاله ذات مصلحة لكان عليه ألاّ ينعم إلاّ المؤمنين ولا يضرّ إلاّ غير المؤمنين[٧٥].
ومن الأدلّة النقلية التي استدلّ بها [٧٦] هو قوله تعالى: «لا يُسْأَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ»[٧٧].
ويمكن سرد الكثير من الأحكام تحمل ذات الطابع، ففي الوسائل وردت بعض الروايات تجيز بيع الخمر أحيانا رغم أنّه من المكاسب المحرّمة فتجيز لمن أسلم بيع خمره وخنازيره بعد الاسلام إلى من يحلّ هذه الاُمور[٧٨]. ومثال آخر هو: اذا اختلط الذكيّ والميتة، جاز بيعه إلى مَن يستحل الميتة[٧٩]، مع أنّه لو كانت مصلحة في تحريم بيع الميتة ألاّ يختلف الحكم فيها.
وقد ورد في دروس بعض المعاصرين إمكانية استفادة عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد من الروايات المشار إليها سلفا و الأحكام المستنبطة منها، وقد يُذكر لها تبريرات بأنّ الملاحظ هنا مصلحة المؤمنين أو ما شابه ذلك.
وهناك الكثير من الأحكام الاُخرى يبدو منها هذا، مثل تحريم السمك على بني إسرائيل يوم السبت، فإنّ السمك لا يختلف في يوم السبت عنه في الأيّام الأُخرى، وكذلك تحريم بعض اللحوم عن غيرها، فإنّه لا تختلف اللحوم، فلماذا حرّمت لحوم الجوارح وحللت غيرها؟
ويُضاف إلى ذلك أنّ تعلق الأمر بالمصالح والمفاسد ممّا يمتنع عن اللّه تعالى، للزوم اللغوية؛ لأنّ الأمر بالشيء والبعث إليه يستهدف إيجاد الداعي لدى المكلّف، لكي يندفع نحو تنفيذ الحكم، لكنّ هذا الداعي لا يحصل إلاّ بعد وصول الأمر إليه، وإذا كانت الأوامر النفس أمرية متعلّقة بعناوين واقعية مجهولة لديهم، فإنّ البعث لا يحصل لعدم اطّلاع المكلّفين عليها، فتعلّقها بعناوين هي ليست نفسها المصالح والمفاسد يكون لغوا وعبثا؛ لكونها غير باعثة ولا زاجرة نحو تلك المصالح والمفاسد[٨٠].
ويبدو أنّ رأي المحقّق الخراساني يختلف عن رأي الأشاعرة في عدم القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، من حيث إنّ الأشاعرة يجوّزون جعل الأحكام من قبل الشارع ولو جزافا، أمّا المحقّق الخراساني فينفي الجزافية عن الجعل ويرى التبعية للمصالح والمفاسد، لكن ليس بالضرورة أن تكون في المتعلّقات، بل يمكن أن تكون في الجعل نفسه[٨١].
ويبدو اتّفاق العدلية مع الأشاعرة في وجود مصالح ومفاسد في الجعل نفسه في خصوص الأحكام الوضعية فقط، فإنّ المصلحة في الأحكام الوضعية ليست في المتعلّقات، بل في الجعل نفسه[٨٢].

مواطن بحث تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد

موضوع تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد موضع استشهاد الاُصوليين في عدّة مواطن، أهمّها الموارد التالية:
أوّلاً: في بحث اجتماع الأمر والنهي، وقد رأى البعض أنّ المفروض وجود ملاكين في مورد اجتماعهما لكي تناقش أصل القضية.
بينما يرى البعض الآخر عدم وجود علاقة بين موضوع اجتماع الأمر والنهي وتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد؛ لأنّ المناط هو اجتماع الضدّين (الأمر والنهي) في موضوع واحد. وهذا يصدق حتّى مع عدم القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد. ولا تبتني المسألة عليها أصلاً. ويبدو أنّ مراد من اشترط وجود ملاكات للأحكام المتضادّة هو وجود مبادئ لها، أي أغراض للمولى دعته لإصدارها ولو لم يكن فيها مصالح تدعو لتشريعها [٨٣].
ثانياً: بحث التعارض و التزاحم، فقد قالوا بإمكانية تحصّل التعارض و التزاحم في ظلّ القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، وبناءً على ما ذهب إليه العدلية من التبعية يحصل تعارض أو تزاحم؛ باعتبار أنّ لكلّ منهما ملاكا مضادّا للملاك الآخر، فيلزم التعارض أو التزاحم. ولا يحصلان بناءً على رأي الأشاعرة الذين ينفون هذه التبعية. ولا يلزم تعارض فيما إذا لم يكن هناك ملاك للأوامر والنواهي أصلاً [٨٤].
ثالثاً: استشهد بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في الاستدلال على حجّيّة ظنّ المجتهد؛ باعتبار أنّ الظنّ بوجوب شيء أو حرمته يلازم الظنّ بالعقوبة على مخالفته أو الظنّ بالمفسدة، بناء على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.
لكن ردّ هذا بعدم وجود ملازمة بين الظن بالتكليف و الظن بالعقوبة على مخالفته، وإذا كانت هناك ملازمة فبين خصوص المعصية واستحقاق العقوبة لا مطلق المخالفة ولو لم يكن محرزا، فإذا كان محرزا، كانت مخالفته معصية، وإلاّ فلا تكون المخالفة معصية.
هذا مع أنّ المفسدة ليست ضررا دائما، فليس كلّ ما يوجب قبح الفعل من المفاسد يستلزم إيراد الضرر على فاعله، بل ربّما يوجب حزازة ومنقصة في الفعل، بحيث يذمّ عليه فاعله بلا ضرر. وكذلك تفويت المصلحة فليس دائما يوجب الضرر، بل استيفاء المصلحة أحيانا يوجب الضرر كما في الإحسان بالمال[٨٥].
رابعاً: كون المصالح والمفاسد هو المقياس لبعض تقسيمات الأحكام، فإذا كان في متعلّق الفعل مصلحة ملزمة، أصبح واجبا. وإذا كانت غير ملزمة، أصبح مستحبّا. وإذا كان فيه مفسدة، فيمكن أن يكون حراما أو مكروها. وإذا تساوت فيه المصلحة والمفسدة دون ترجيح لأحدهما، كان الفعل مباحا [٨٦]. والتقسيم على هذا المبنى يعتمد القول بالتبعية، أمّا عدم القول بها فبرغم وجود هذه الأقسام للأحكام. إلاّ أنّ المفروض كون مبنى التقسيم شيئا آخر[٨٧].
وهناك مواطن اُخرى استشهد فيها بقضية التبعية كذلك[٨٨].

المصادر

  1. . ترتيب جمهرة اللغة 2: 371، مادّة: «صلح».
  2. . كتاب مجمل اللغة: 414، لسان العرب 2: 2221، مادّة: «صلح»، المصباح المنير: 345، مادّة: «صلح».
  3. . لسان العرب 2: 2221، مادّة: «صلح».
  4. . لسان العرب 3: 3032 ـ 3033، مادّة: «صلح».
  5. . المصباح المنير: 345، مادّة: «صلح».
  6. . المصباح المنير: 472، مادّة: «فسد».
  7. . المستصفى 1: 258.
  8. . المستصفى 1: 258، واُنظر: الاُصول العامّة للفقه المقارن: 367.
  9. . معارج الاُصول: 221.
  10. . الاعتصام 1 ـ 2: 396.
  11. . الموافقات 1 ـ 2: 25.
  12. . الكاشف عن اُصول الدلائل وفصول العلل: 53.
  13. . اُنظر: مقاصد الشريعة في تخصيص النصّ بالمصلحة : 42 ـ 58 ، مقاصد الشريعة الإسلامية احميدان: 51 ـ 59، أهمّية المقاصد : 161 ـ 163.
  14. . المستصفى 1: 258.
  15. . مقاصد الشريعة الإسلامية ابن عاشور: 61 ـ 62.
  16. . قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1: 11 ـ 12.
  17. . تعليل الأحكام شلبي: 279.
  18. . الكاشف عن اُصول الدلائل وفصول العلل: 53.
  19. . تقريرات في اُصول الفقه: 234، منتهى الاُصول 1: 156 و2: 312 ـ 313، بحوث في علم الاُصول الشاهرودي 2: 39 ـ 40 و87 ـ 89، دروس في علم الاُصول 1: 176.
  20. . ميزان الاُصول 2: 827 ـ 830، نبراس العقول: 224 ـ 235، التعليل بالشبه: 48 ـ 66، مباحث العلّة: 70 ـ 102.
  21. . المستصفى 2: 179.
  22. . الاُصول العامّة للفقه المقارن: 296.
  23. . الحكمة عند الاُصوليين: 23 ـ 31.
  24. . فوائد الاُصول 3: 116.
  25. . مقاصد الشريعة ابن عاشور: 49، اُصول الفقه (الزحيلي) 2: 1017، علم المقاصد الشرعية (الخادمي): 17، المقاصد العامّة للشريعة الإسلامية: 79، المقصد الشرعية وصلتها بالأدلّة الشرعية وبعض المصطلحات الاُصولية: 11 ـ 63، مقاصد الشريعة الإسلامية (احميدان): 8 ـ 9 و28 ـ 423، موافقة قصد الشارع ومخالفته: 118 فما بعدها.
  26. . اُنظر: روضة الناظر وجنة المناظر: 149، الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 394 ـ 395، معارج الاُصول: 221، الموازنة بين المصالح والمفاسد: 39 ـ 42.
  27. . المستصفى 1: 257 ـ 258، الموافقات 1 ـ 2: 6 ـ 8.
  28. . المستصفى 1: 258 ـ 259، الموافقات 2: 6 ـ 9، اُصول الفقه أبو زهرة: 344 ـ 346، و348.
  29. . المستصفى 1: 259، الموافقات 2: 6 ـ 9، أهمّية المقاصد: 38 ـ 40.
  30. . اُصول الفقه أبو زهرة: 348 ـ 350، اُصول الفقه (الزحيلي) 2: 1020 ـ 1050، مقاصد الشريعة الإسلامية (احميدان): 79 ـ 259، المقاصد العامّة (العالم): 161 ـ 165، دراسات في فلسفة اُصول الفقه: 76 ـ 81.
  31. . المقاصد العامّة العالم: 172 ـ 173، المقاصد الشرعية عند ابن قيم: 164 ـ 165، مقاصد الشريعة (احميدان): 272 ـ 279.
  32. . قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1: 10 ـ 11.
  33. . المصلحة في التشريع الإسلامي: 40.
  34. . اُصول الفقه ابن مفلح 4: 1467، الاُصول العامّة للفقه المقارن: 349، الإحكام (ابن حزم) 5 ـ 8: 192، إرشاد الفحول 2: 266، اُصول الفقه (أبو رهرة): 245.
  35. . اُصول الفقه البرديسي: 301، نظرية الاستحسان: 38 ـ 39.
  36. . نهاية الأفكار 1 ـ 2: 413 و4 ق 2: 128.
  37. . كفاية الاُصول: 258، نهاية الدراية 3: 24 ـ 28، بداية الوصول في شرح كفاية الاُصول 5: 20 ـ 22، عناية الاُصول 2: 53 ـ 55.
  38. . لمحات الاُصول: 411 ـ 413، منتقى الاُصول 4: 93 ـ 96، نهاية الاُصول 1 ـ 2: 395.
  39. . المباحث الاُصولية 4: 234 ـ 235، تحقيق الاُصول الميلاني 2: 280 ـ 281، نهاية الأفكار (البروجردي) ج 4 ق: 321، منتقى الاُصول 2: 117، المباحث الاُصولية 4: 46 و128 و134، دروس في علم الاُصول 1: 286 ـ 287.
  40. . دروس في علم الاُصول 1: 146.
  41. . اُنظر: المصلحة في التشريع الإسلامي: 34 ـ 37.
  42. . المصلحة في التشريع الإسلامي : 137 ـ 156 و 192 ـ 200 و210 ـ 211.
  43. . الأحكام الشرعية ثابتة لا تتغير الصافي: 20 ـ 21 و33 ـ 38، بحوث في الفقه المعاصر 4: 62 و6: 27 ـ 38، موسوعة طبقات الفقهاء (المقدّمة) 1: 319 ـ 356.
  44. . الأنعام: 152.
  45. . قواعد الأحكام في اصلاح الأنام 2: 188.
  46. . تهذيب الاُصول 2: 397.
  47. . اُنظر: نهاية الأفكار البروجردي 3: 405، تهذيب الاُصول: 395 ـ 398، بحوث في علم الاُصول (الشاهرودي) 3: 59 ـ 60، أنوار الهداية 1: 155 ـ 158.
  48. . الإحكام في اُصول الأحكام ابن حزم 5 ـ 8: 546.
  49. . الإحكام في اُصول الأحكام ابن حزم 5 ـ 8: 573.
  50. . الإحكام في اُصول الأحكام ابن حزم 5 ـ 8: 582.
  51. . الإحكام في اُصول الأحكام ابن حزم 5 ـ 8: 583.
  52. . اُنظر: الدروس الحيدري 2: 158 ـ 162.
  53. . فوائد الاُصول 1 ـ 2: 326 و3: 220، نهاية الأفكار البروجردي 3: 405، التنقيح في شرح المكاسب 37: 101، بداية الوصول في شرح كفاية الاُصول 7: 150.
  54. . المحصول 2: 328 ـ 329.
  55. . اُنظر: فرائد الاُصول 2: 319 ـ 320، تهذيب الاُصول 2: 395 ـ 396، أنوار الهداية 2: 298 ـ 299.
  56. . منتهى الاُصول 2: 46 ـ 47.
  57. . زبدة الاُصول الروحاني 3: 169.
  58. . محاضرات في الإلهيات: 333.
  59. . بدائع الأفكار الرشتي: 421.
  60. . الأنبياء: 107.
  61. . البقرة: 185.
  62. . الكافي 5: 494.
  63. . معاني الأخبار: 281.
  64. . المحصول 2: 329 ـ 330.
  65. . فوائد الاُصول 3: 57 ـ 59.
  66. . أنوار الهداية 1: 153 ـ 159.
  67. . اُنظر: كفاية الاُصول: 96 ـ 98 و309، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد 1: 129 ـ 130، بداية الوصول 2: 60 ـ 64، عناية الاُصول 1: 304 ـ 306.
  68. . زبدة الاُصول الروحاني 3: 170 ـ 171.
  69. . كتاب الاجهاد والتقليد الخوئي: 45.
  70. . اُنظر: فقه و مصلحت: 163 بالفارسية.
  71. . البحر المحيط 5: 123 ـ 125.
  72. . الإحكام في اُصول الأحكام الآمدي 1 ـ 2: 286.
  73. . الإحكام في اُصول الأحكام ابن حزم 5 ـ 8: 583.
  74. . البحر المحيط 1: 148.
  75. . الإحكام في اُصول الأحكام ابن حزم 5 ـ 8: 584.
  76. . الإحكام في اُصول الأحكام ابن حزم 5 ـ 8: 573.
  77. . الأنبياء: 23.
  78. . وسائل الشيعة 17: 233 ـ 234.
  79. . اُنظر: المصدر السابق: 99 ـ 101.
  80. . تهذيب الاُصول 2: 397، أنوار الهداية 1: 156 ـ 158.
  81. . زبدة الاُصول الروحاني 3: 170 ـ 171، منتقى الاُصول 4: 322.
  82. . زبدة الاُصول الروحاني 3: 378.
  83. . بحوث في علم الاُصول الشاهرودي 3: 59 ـ 60، المحكم في اُصول الفقه 3: 138 ـ 147.
  84. . مصباح الاُصول البهسودي 3: 354.
  85. . بداية الوصول في شرح كفاية الاُصول: 6: 46 ـ 59، الظنّ الحيدري: 8 ـ 9.
  86. . فوائد الاُصول 4: 378 ـ 380، المحكم في اُصول الفقه 2: 354 ـ 366.
  87. . اُنظر: المحصول الرازي 1: 18 ـ 28، الاُصول العامّة للفقه المقارن: 63 ـ 67.
  88. . اُنظر: أنوار الهداية 2: 233، حاشية الكفاية الطباطبائي 1: 102 ـ 109، تهذيب الاُصول (السبحاني) 2: 344 ـ 347، الهداية في الاُصول (الصافي) 2: 19 و31 ـ 33، دراسات في علم الاُصول (الشاهرودي) 3: 204.