انتقل إلى المحتوى

غزوة بني النضير

من ویکي‌وحدت


غزوة بني النضير، هي ثاني حروب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مع اليهود المدينة، وقعت في ربيع الأول سنة الرابعة للهجرة. يرى معظم المؤرخين الإسلاميين أنه لم يُرَقَّ دم في هذه الحادثة، لكن الشيخ المفيد قال: «في ليلة الفتح وقع اشتباك قصير أدى إلى مقتل عشرة من اليهود، وبمقتلهم تهيأت مقدمات استسلام جيش بني النضير». وبهذا زال أحد المحرضين للقبائل العربية ضد الإسلام. وقد نزلت بعض آيات سورة الحشر حول هذه الحادثة.

غزوة بني النضير

الغزوة في الاصطلاح هي الحرب التي يقودها النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه. غزوة بني النضير هي ثاني حروب النبي (صلى الله عليه وآله) مع يهود المدينة، وقعت في ربيع الأول سنة الرابعة للهجرة[١]. الحرب الأولى كانت مع بني قينقاع في الشهر العشرين للهجرة[٢]، والحرب الثانية مع بني النضير وقعت في الشهر السادس والثلاثين للهجرة[٣].

كان بنو النضير، إلى جانب بني قينقاع وبني قريظة، من القبائل اليهودية المقيمة في المدينة، وكانوا من حلفاء النبي (صلى الله عليه وآله)، لكنهم جميعاً نقضوا العهد.

نقض بني النضير للعهد

في بيان نقض بني النضير للعهد وحرب النبي (صلى الله عليه وآله) معهم، تجدر الإشارة إلى أنه في الشهر السابع والثلاثين للهجرة[٤]، قتل أحد المسلمين، واسمه "عمرو بن أمية بن ضمري"[٥]، في حادثة عن جهل، رجلين من قبيلة بني عامر. وكانت هذه القبيلة من حلفاء النبي (صلى الله عليه وآله)، وطالبت، بموجب المعاهدة الموقعة مع النبي (صلى الله عليه وآله)[٦]، بدية القتلى[٧]. ووفقاً لنص تلك المعاهدة التي أبرمت بين جميع القبائل المقيمة في المدينة، كان على الحلفاء المشاركة في مقدار الدية. فتوجه النبي (صلى الله عليه وآله) مع بعض أصحابه إلى قلعة بني النضير لأخذ نصيب قبيلة بني عامر، خاصة أن بني النضير كانوا أيضاً من حلفاء بني عامر[٨].

عُقد الاجتماع خارج القلعة، بالقرب من أسوارها. استقبل يهود بني النضير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وطلبهم. وفي هذه الأثناء، شرعوا في التآمر وخططوا لقتل النبي (صلى الله عليه وآله)، رغم معارضة بعضهم[٩] مثل "سلام بن مشكم"[١٠]، فنقضوا عهدهم مع النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمين[١١]. وقرروا قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإلقاء حجر من أعلى القلعة[١٢]، وتولى "عمرو بن جحاش بن كعب بن بُسَيْل النضري" من يهود القلعة تنفيذ ذلك[١٣].

وعلم النبي (صلى الله عليه وآله) بمؤامرة بني النضير عن طريق الوحي، فغادر مكانه دون أن يشعر أصحابه[١٤].

رد فعل النبي (صلى الله عليه وآله)

عاد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، وبعد أن روى الحادثة لأصحابه، أرسل محمد بن مسلمة إليهم، وحدد لهم مهلة عشرة أيام للخروج من المدينة. ذكّر يهود بني النضير رسول النبي (صلى الله عليه وآله) بعهودهم مع الأوس والخزرج، بأنهم نصاراهم، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يستطيع فعل شيء. فأجابهم محمد بن مسلمة: «القلوب تغيرت، والإسلام ألغى عهود الجاهلية»[١٥].

القرار الأولي لبني النضير وتحريض المنافقين

أدرك يهود بني النضير خطأهم، فقبلوا بحكم النبي (صلى الله عليه وآله). وانشغلوا بضعة أيام بتجهيز أنفسهم للسفر. حتى أنهم أحضروا إبلهم التي كانت في «ذي الجدر»، واستأجروا إبلاً من «بني أشجع»[١٦]. وبعد أيام، عندما كانوا على استعداد للخروج من المدينة، ذهب "عبد الله بن أبي بن أبي سلول"، أحد المنافقين المشهورين وصحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلى كبار بني النضير. ووعدهم بدعم من قبيلته وبعض القبائل الأخرى، قوامه ألفا رجل، كما تعهد بدعمهم بكل قوة حتى آخر نفس[١٧]. كما تعهد عبد الله بن أبي بتأمين رضا قبائل يهودية أخرى مقيمة في المدينة، مثل يهود بني قريظة وحلفاء غطفان لبني النضير، لمساعدتهم[١٨].

كان لخطة عبد الله بن أبي لمواجهة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أثرها؛ إذ عقدت مجموعة من يهود بني النضير العزم على البقاء، ورفعت شعار المقاومة. في المقابل، واجهوا معارضة آخرين كانوا يصرون على الرحيل، معتبرين أن مخالفة أمر محمد (صلى الله عليه وآله) ستؤدي إلى تفاقم الوضع وتكبد خسائر أكبر[١٩]. على أي حال، ورغم كل الخلافات، أرسلوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بأنهم: «لن نخرج من أرضنا، فافعل ما شئت»[٢٠].

بدء الحرب

علم النبي (صلى الله عليه وآله) بقرارهم بعدم مغادرة المدينة، فتوجه مع جيوش الإسلام بعد صلاة الظهر، مكبرين، نحو قلاع بني النضير[٢١]. وقبل التحرك، استخلف النبي (صلى الله عليه وآله) ابن أم مكتوم على المدينة[٢٢]، وأعطى لواء الجيش لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)[٢٣]. حاصر جيش الإسلام القلاع، واستمر الحصار 15 ليلة[٢٤]. وخلال هذه الفترة، وقعت اشتباكات متفرقة. في إحدى الليالي، قتل علي بن أبي طالب (عليه السلام) في كمين "غروك"، أحد شجعان وأقوياء بني النضير، الذي كان يخطط لشن هجوم ليلي، ومعه عشرة آخرون كانوا يهدفون إلى ضرب المسلمين، فقضى عليهم جيش الإسلام. وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) برمي رؤوسهم داخل قلاع بني النضير[٢٥]. وقد أثار هذا العمل رعباً شديداً في نفوس اليهود. كما واجه بنو قريظة، الذين كانوا لا يزالون يصرون على البقاء، تكتيكاً آخر من النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو قطع بعض نخيلهم من قبل المسلمين، مما أثار استياء واحتجاج بني النضير الشديد. وأشار النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أن هذا الأمر تم بأمر الله[٢٦].

نتيجة الحرب

لم يرَ يهود بني النضير أي لين من النبي (صلى الله عليه وآله)، من جهة، ومن جهة أخرى لم يتوقعوا أي دعم، إذ رفض بنو قريظة تقديم أي مساعدة لبني النضير، وأكدوا على الابتعاد عنهم[٢٧] وموقفهم من عهدهم مع النبي[٢٨]. علاوة على ذلك، وعلى خلاف وعود عبد الله بن أبي، لم يأتِ خبر عن جيش قومه المكون من ألفي مقاتل والقبائل الأخرى، بل ولم تقدم قبائل غطفان الحليفة أي مساعدة لهم[٢٩].

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الله قد ألقى في قلوبهم رعباً شديداً زعزعهم في طريق استمرار الحرب[٣٠].

تظافرت كل هذه العوامل لتدفعهم إلى الاستنتاج بأن طريق الصلح والاستسلام لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو أفضل طريق. فأرسلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنهم مستعدون لقبول الحكم الأولي؛ لكن موقفهم العدائي دفع النبي (صلى الله عليه وآله) إلى رفض هذا الاقتراح. وفي حكم جديد، أمر النبي (صلى الله عليه وآله) يهود بني النضير بمغادرة المدينة، مع السماح لهم بحمل ما تحمله راحلة واحدة فقط، وترك الأسلحة التي أعدوها لحرب المسلمين. فوافق يهود بني النضير[٣١].

طلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله) مهلة خمسة عشر يوماً، فوافقهم. وتوقف جيش الإسلام خلال هذه المدة بجانب قلاع بني النضير[٣٢]. وخلال هذه الأيام الخمسة عشر، قام اليهود بهدم بيوتهم وأمتعتهم بأيديهم وإحراقها، كما حملوا ما ينفع منها لئلا يستفيد منها المسلمون[٣٣].

وفي النهاية، انتهت مهلة بني النضير، فخرجوا من المدينة بستمائة بعير مع نسائهم وأطفالهم[٣٤]. توجهت مجموعة منهم إلى «أذرعات» في الشام[٣٥]، ومجموعة أخرى إلى قلاع خيبر[٣٦]، وأسلم عدد قليل منهم فردت أموالهم[٣٧].

تقسيم الغنائم

في هذه الغزوة، غنم المسلمون 50 درعاً، و50 خوذة، و340 سيفاً. يذكر أنه نظراً لأن هذه الغزوة كانت من غزوات المسلمين التي جرت دون قتال وسفك دماء، فإن جميع الأموال الغنيمية اعتبرت «فيئاً» لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، لينفقها حيث يرى المصلحة في المجتمع الإسلامي[٣٨].

في نهاية هذه الغزوة، التي أغضبت المنافقين في المدينة وأثارت سخطهم[٣٩]، قسّم النبي (صلى الله عليه وآله) جزءاً من الغنائم، بالتنسيق مع الأنصار، بين المهاجرين لتوفير سعة لهم في الحياة، ودعا للأنصار وأبنائهم[٤٠].

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن عدة آيات من سورة الحشر نزلت بشأن غزوة بني النضير[٤١].

الهوامش

  1. الواقدي، محمد بن سعد؛ كتاب المغازي، تحقيق مارسدن جونز، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1989 م، الطبعة الأولى، ج1، ص363.
  2. محمد بن إسحاق بن يسار، سيرة ابن إسحاق، تحقيق محمد حميد الله، بدون تاريخ، باريس، ج2، ص295.
  3. نفس المرجع، ج1، ص363.
  4. ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مؤسسة الهدى، القاهرة، دار التقوى، 2002 م، الطبعة الأولى، ج2، ص108.
  5. البلاذري، أحمد بن يحيى؛ تحقيق سهل ذكار ورياض زركلي، بيروت، دار الفكر، 1998 م، الطبعة الأولى، ج1، ص415.
  6. ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مؤسسة الهدى، القاهرة، دار التقوى، 2002 م، الطبعة الأولى، ج2، ص108.
  7. الواقدي، محمد بن سعد؛ كتاب المغازي، المصدر السابق، ج1، ص364.
  8. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، تحقيق أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار، بيروت، بدون تاريخ، الطبعة الأولى، ص387.
  9. الواقدي، محمد بن سعد؛ كتاب المغازي، المصدر السابق، ج1، ص365.
  10. الواقدي، محمد بن سعد؛ الطبقات الكبرى، المصدر السابق، ج2، ص44.
  11. الواقدي، محمد بن سعد؛ كتاب المغازي، المصدر السابق، ج1، ص364.
  12. ابن هشام، المصدر السابق، ج2، ص109.
  13. الواقدي، محمد بن سعد؛ الطبقات الكبرى، المصدر السابق، ج2، ص44.
  14. الطبري، المصدر السابق، ص387.
  15. نفس المرجع، ص387.
  16. الواقدي، محمد بن سعد؛ الطبقات الكبرى، المصدر السابق، ج2، ص44.
  17. نفس المرجع، ج2، ص44.
  18. نفس المرجع، ج2، ص44.
  19. الواقدي، محمد بن سعد؛ كتاب المغازي، المصدر السابق، ج1، ص368.
  20. الواقدي، محمد بن سعد؛ الطبقات الكبرى، المصدر السابق، ج2، ص44.
  21. نفس المرجع، ج2، ص44.
  22. البلاذري، المصدر السابق، ج1، ص416.
  23. ابن هشام، المصدر السابق، ج3، ص139.
  24. البلاذري، المصدر السابق، ج1، ص415.
  25. الواقدي، محمد بن سعد؛ كتاب المغازي، المصدر السابق، ج1، ص372.
  26. ابن هشام، المصدر السابق، ج3، ص110. تجدر الإشارة إلى أن الله أنزل آية في هذا الشأن: «ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله» القرآن الكريم، سورة الحشر، آية 5.
  27. ابن الجوزي، المصدر السابق، ج3، ص204.
  28. الواقدي، محمد بن سعد؛ كتاب المغازي، المصدر السابق، ج1، ص369.
  29. الواقدي، محمد بن سعد؛ الطبقات الكبرى، المصدر السابق، ج2، ص44.
  30. ابن هشام، المصدر السابق، ج3، ص111.
  31. نفس المرجع، ج3، ص111 والواقدي، المصدر السابق، ج1، ص373.
  32. الواقدي، محمد بن سعد؛ الطبقات الكبرى، المصدر السابق، ج2، ص44.
  33. ابن الجوزي، المصدر السابق، ج3، ص205.
  34. الواقدي، محمد بن سعد؛ الطبقات الكبرى، المصدر السابق، ج2، ص44.
  35. الطبري، المصدر السابق، ص388.
  36. نفس المرجع، ص388.
  37. ابن هشام، المصدر السابق، ج3، ص111.
  38. الواقدي، محمد بن سعد؛ الطبقات الكبرى، المصدر السابق، ج2، ص45.
  39. الواقدي، محمد بن سعد؛ كتاب المغازي، المصدر السابق، ج2، ص376.
  40. الطبري، المصدر السابق، ص388.
  41. القرآن الكريم، سورة الحشر، الآيات 1-19.

المصادر