أهمية النسل في تثبيت الزواج

مراجعة ١٨:٣٧، ٥ أبريل ٢٠٢٣ بواسطة Wikivahdat (نقاش | مساهمات) (استبدال النص - '====' ب'=====')
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)


أهمية مقاصد الزواج في تحقيق الأمن

جاءت نصوص القرآن حافلة بتعظيم شأن الأمْن، وتنوّعتْ أساليب الدلالة على أهميته في حياة الإنسان، ومن ذلك امتنانه تعالى على المسلمين بنعمة الأمن في البلد الحرام: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ}؛[1] أي: يأمن به كل أحد، حتىّ الوحش، وحتى الجمادات كالأشجار. ودعا إبراهيم (عليه السلام) ربّه، أنْ يجعل البلد الحرام آمنا، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا}؛[2] أي: أن يكون محفوظا من الأعداء الذين يقصدونه بالسّوء. كما إمتنَّ على قريش بهذه النِّعمة: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}؛[3] أي: يأمن فيه ساكنه من الغارة، والقتل، والسبي، والنهب، فصاروا في سلامة وعافية مما صار فيه غيره من العرب، فإنهم في كل حين تطرقهم الغارات، وتجتاح أموالهم الغزاة، وتسفك دماءهم الجنود، وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب وشياطينها؛ كما إمتنّ على القوم الغابرين بأمْن القرى والبلدان، كامتنانه على أهل مصر في عهد يوسف (عليه السلام) بالأمن: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ}.[4] أي: من جميع المكاره والمخاوف، فدخلوا في هذه الحال السارّة، وزال عنهم النّصب ونكد المعيشة، وحصل السّرور والبهجة. ومن ذلك أمْنُ الطّرقات والسّير فيها ليلا من غير خوف: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ}؛[5] أي: لا تخافون عدوّا ولا جوعا ولا عطشا. وكذلك أمْنُ المعَاش: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}؛[6] وهذه القرية هي: مكّة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد، وهي كانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر، ولكن يسّر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان. كما أشار القرآن إلى أمْنِ القبيلة والجماعة في قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}.[7] أمر تعالى عباده بعبادته، ممتنّا عليهم بنعمتي الإطعام من الجوع، والأمن من الخوف، والمراد هنا قريش، وفي الآية دليل على أن رغد الرزق والأمن من المخاوف، من أكبر النعم الدنيوية، الموجبة للشكر. وفي نفس الوقت هذا تنبيه للمسلمين وغيرهم في أقطار المعمورة؛ للتفكّر والتدبّر في مقصد مهمّ من مقاصد القرآن، وهو مقصد حفظ الأمن.

تعدُّ الأسرة نواة المجتمع، حيث إنّ أساس تكوينها الزوجين، وبذلك تتشكّل الشعوب والقبائل، كما أنّ بالزواج تتحقّق العديد من الأمور الهامّة، والنبي (صلَّى الله عليه وآله) أيضا ربط الزواج بغايات وأهداف ومقاصد، منها: تنظيم أمور الحياة، وتحقيق الحياء، والحصول على الاستقرار والراحة والأمن والسكينة، وتحقيق الطهارة والعفة الشخصية، والنقاوة الاجتماعية التي أدَّتْ إلى نشر الأمن في أوساط الأُسَر، وإنشاء الجيل الذي يُكاثر به النبي (صلَّى الله عليه وآله) الاُممَ، وتربيتهم على الخير والصلاح، وفي ذلك الوصول إلى عزّة الإسلام وسموِّه، والرُّقي بالمجتمع والأسرة، حيث قال تعالى: {ثُمَّ رَدَدنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيهِم وَأَمدَدناكُم بِأَموالٍ وَبَنينَ وَجَعَلناكُم أَكثَرَ نَفيرًا}.[8]

تحقيق الأمن الاجتماعي

المجتمع، هو ما يتشكّل من تلاقي الأفراد واجتماعهم، الذين تربطهم روابط مصلحية مختلفة، من زواج، وتجارة، وعلم، وخدمة، وغير ذلك من المصالح التي تضطرّ الناس إلى اللقاء والاجتماع. ولما كان عيْش الفرد وحده متعذّرا، أو شاقّا؛ لاستحالة الانفراد بتحقيق مصالحه، والخوف عليه، كان وجود المجتمع ظاهرة مدنية حضارية، تهدف إلى تحقيق التعاون بين الأفراد، والتواصل في تبادل المنافع وقضاء الحاجات. فالإنسان في مأكله، وملبسه، ومشربه، وصناعته، وتجارته، وتعلّمه، والدفاع عن نفسه، في حاجة إلى غيره.

ولما اقتضت إرادة الله تعالى قيام العمران، وإقامة الاستخلاف في الأرض، أوجد أسباب قيام المجتمعات، وروافد العيش، من أراض، وأنهار، ووديان ومروج، وبحار، وحيوان، وجبال، وسهّل للأفراد والجماعات الحركة والاجتماع لتحصيلها لإقامة عيشهم وعمرانهم. وفي هذا الاجتماع البشري، تنشأ الصّلات الاجتماعية من زواج، وبيع، وشراء، وإيجار للمنافع، ممَّا يؤدّي إلى المزيد من الاختلاط، المفضي أحيانا إلى تضارب المصالح، فينشأ عنه التّغالب، المؤدّي إلى الخصام والبغي، قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}.[9] ويرجع ذلك إلى طغيان الشهوات والأهواء على الحكمة والبصيرة؛ لذا كان حفظ الأمن الاجتماعي من أسباب التهالك والتّظالم، من ضرورات الحياة الاجتماعية؛ لقيامها واستمرار بقائها، مؤدّية لمقاصدها وأغراضها. ويتعلّق حفظ أمْن المجتمع بحفظ الأسرة؛ لأنها اللبنة الأولى لقيام المجتمعات، ثم المجتمع.

تحقيق الأمْن الأسري

لما كانت الأسرة هي الخلية الأولى لبناء المجتمع، إذا صلحتْ صلح المجتمع وإذا فسدتْ فسد المجتمع، كانت العناية بأمْنها من أهم أنواع الأمْن؛ لذا أولاها القرآن أهمية بالغة؛ من أجل الحفاظ على وجودها، واستمرار عطائها، وأداء وظيفتها في بناء النسل، وتكوين النشء الصالح، المنوط به الاستخلاف، وعمارة الأرض. ويتعلق أمْنُ الأسرة بالحفاظ على النسل من جهة الوجود، والبقاء، وصحّة الانتساب، وسلامة النشء، ويكون من الجانبين المادِّي والمعنوي.

الحفظ المادّي للنّسل

والمراد منه حفظ الذّات الإنسانية من الانقطاع الكلّي أو الجزئي؛ ذلك لأنَّه تعالى خلق الإنسان واستخلفه لعمارة الكون، ولا يتم ذلك إلا ببقائه واستمراره؛ وحفظ أمْن النسل يكون قبل الإنجاب وبعده.

=قبل الإنجاب=

أما قبل الإنجاب، فيؤمَّن النّسل مما يقطعه كليّا أو جزئيا، فالقطع الكلّي للنسل محرَّم في الشرع؛ لغير ضرورة؛ لتنافيه مع المقصد من خلق الإنسان، وهو التكاثر والتناسل لعمارة الكون؛ لذا حثّ الله تعالى على الزواج، وأرشد إلى اختيار الولود، ونهى عن الخصاء والتبتّل، ومنع من الإجهاض، ووضع للخاطئ جريمة، وجوّز للحامل الفطر في رمضان من أجل الولد. أما القطع الجزئي للنسل فمعناه تحديد النسل بولد أو اثنين لا غير، وهذا أيضا مناف للغرض من الزواج وهو التناسل والتكاثر؛ إذ قد يؤدِّي ذلك التحديد إلى الانقراض التدريجي، وهو ما نلاحظه في المجتمعات الأوروبية، التي دبّ فيها الشِّيب والهرم، وقلّ فيها عنصر الفتوّة والشباب.
وكذلك يؤمّن النّسل من وضعه في غير ما شرع له، كالزنا، والبغاء، وغير ذلك، مما يؤدّي إلى العزوف عن الزواج، فيتعطّل النسل، أو ينشأ النسل مجهول النسب غير معلوم، أو ذا نسب خليط، ومن ثم كان تشريع الزواج وتحريم ما عداه تأمينا للنّسب من الاختلاط، أو الانتساب المجهول، أو الإلحاق غير المشروع كالتبنيّ.

=بعد الإنجاب=

أما بعد الإنجاب، فيؤمّن النّسل من أسباب ضعفه، أو موته؛ لذا أمر الله تعالى الأمهات بإرضاع أولادهنّ حولين كاملين، وأباح لهن الاسترضاع، وجوّز لهن الفطر في رمضان من أجل الولد، ونهى عن الوأد الذي كان متفشّيا في الجاهلية خوف العار أو الفقر. وكذا تأمين النّسل من الأمراض التي تضعف بنيته، أو تودي بحياته إلى الموت، وكذا العناية بصحّته، وغذائه، ونظافته، وغير ذلك مما يدخل في أمْنه.

الحفظ المعنوي للنّسل

إنَّ حفظ أمْن النّسل لا يقتصر على الجانب المادِّي فحسب، بل يتجاوزه إلى الحفظ المعنوي، وهو المقصد الأعظم؛ لأنَّ الغاية من التناسل ليست الإنجاب وتكثير الولد، فهذه الغاية تشترك فيها جميع الكائنات، من حيوان، ونبات، وإنس، وجنّ، أما الإنسان فالغاية فوق ذلك، وهي عمارة الأرض بالخير والصّلاح، وإقامة الدّين، قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}؛[10] أي: استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنّعم الظاهرة والباطنة، ومكّنكم في الأرض، تبنون، وتغرسون، وتزرعون، وتحرثون ما شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون مصالحها. ثمَّ قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}؛[11] وهذا هو الغرض الأسمى من إيجاد الخلق واستخلافهم، منذ خلق آدم عليه السلام، وفي جميع الرسالات. ولا يتمّ ذلك إلا إذا تربىّ النّسل التربية الصالحة التي تؤهّله لهذه المقاصد الجليلة، ويكون ذلك منذ الصّغر؛ لذا حثّ الشارع الأبوين على العناية بالولد، باختيار اسمه، وتعليمه الصّلاة، وتحفيظه القرآن، وتربيته على الفضائل منذ الصّغر حتى يشبّ على الاستقامة.

أهمُّ مظاهر الزواج في تحقيق الأمن

وفي تعريف الزواج الشامل لمقاصده يقول أبو زهرة: «إذا كانت تعريفات الفقهاء القديمة لا تكشف عن المقصود من هذا العقد في نظر الشارع الإسلامي، فإنه يجب تعريفه بتعريف كاشف عن حقيقته، والمقصود منه عند الشارع الحكيم، ولعل التعريف الموضح لذلك أنْ تقول: إنه عقد يفيد حِلَّ العِشْرة بين الرجل والمرأة، وتعاونهما، ويحدد ما لكليهما من حقوق وما عليه من واجبات»[12]. ومن هذا نعلم أنَّ مقاصد الشريعة من الزواج الشرعية تتمثل في أمور: 1ـ إشباع الرغبة الجنسية، ويتفرع عنه تحقيق العفة والحياء. 2ـ تحقيق التناسل الشرعي، ويتفرع عنه إشباع غريزة الأبوة والأمومة والرحم والقرابة، وعمارة الأرض، وعبادة الله. 3ـ إقامة حياة طيبة مَبْنيَّة على السَّكينة والمودة والرحمة، ويتفرَّع عنها التواصل والتراحم والتعاون بين الناس وخاصة الأقارب. وبهذا يصلح المجتمع وتستقيم الحياة.

وفي ذلك يقول ابن عاشور تحت عنوان (مقاصد أحكام العائلة): «انتظام أمر العائلات في الأمة أساس حضارتها وانتظام جماعتها، فلذلك كان الاعتناء بضبط نظام العائلة من مقصد الشرائع البشرية كلها، وكان ذلك من أول ما عُني به الإنسان المدني في إقامة أصول مدنيته، بإلهام إلهي رُوعي فيه حفظ الأنساب من الشك في انتسابها، أعني أن يثبت المرء انتساب نسله إليه. ولم تزل الشرائع تُعنَى بضبط أصل نظام تكوين العائلة الذي هو اقتران الذكر بالأنثى، المعبَّر عنه بالزواج أو النكاح؛ فإنَّه أصل تكوين النسل وتفريع القرابة بفروعها وأصولها، واستتبع ذلك ضبط نظام الصهر، فلم يلبث أن كان لذلك الأثر الجليل في تكوين نظام العشيرة فالقبيلة فالأمة، فمن نظام النكاح تتكون الأمومة والأبوة والبنوة، ومن هذا تتكون الأخوة وما دونها من صور العَصَبة، ومن امتزاج رابطة النكاح برابطة النَّسَب والعصابة تحدث رابطة الصهر، وجاءت شريعة الإسلام مهيمنة على شرائع الحق، فكانت الأحكام التي شرعتها للعائلة أعدل الأحكام وأوثقها وأجلَّها، ولا جَرَمَ أن الأصل الأصيل في تشريع أمر العائلة هو إحكام آصِرة النكاح، ثم إحكام آصِرة القرابة، ثم إحكام آصِرة الصهر، ثم إحكام كيفية انحلال ما يقبل الانحلال من هذه الأواصر الثلاث<.

ثم يقول عن جموع هذه المقاصد: «وقد ميَّز الله تعالى نوع الإنسان بالاهتداء إلى الفضائل، والكرامات، واستخلاصها من بين سائر ما يحف بها من شريف الخصال ورذيل الفعال، وجعل له العقل الذي يعتبر الأعمال باعتبار غايتها ومقارناتها، وأخذه منها لبابها كيفما اتفق، فبينما كان قضاء شهوة الذكور مع الإناث اندفاعًا طبيعيًّا محضًا، لم يلبث الإنسان منذ النشأة الموفقة أن اعتبر ببواعثه وغاياتها ومقارنتها، في مجموع ذلك حقًّا وودًّا ولطفًا ورحمة وتعاونًا وتناسلًا واتحادًا، وإقامة لنظام العائلة ثم لنظام القبيلة ثم الأمة، وفي خلال تلك المعاني كلها معانٍ كثيرة من الخير والصلاح والعلم والحضارة».[13]

مظهر الأمن من خلال مقصد تحقيق السكينة

من المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن لهم الغاية من الزواج، فهو ينبغي أن يكون رمزًا للأمن والاستقرار والأنس والمحبة، قائلا سبحانه وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}.[14] يبيِّن بأنَّ المقصد من الزواج تحقيق الأنس والأُلفة ما بين الزوجين، و أنَّ الإسلام قد هدف من وراء الزواج حصول السكن النفسي للفرد، لأنَّ مقصد السكينة يحقق لنا أمنًا نفسيًّا للأزواج، فينتج عنه أمن نفسي للأبناء؛ مما ينتج عنه أمن اجتماعي، وبهذا يمكن اعتبار هذا المقصد من بين المقاصد المهمة التي ينبغي أنْ يأخذها الأزواج كمبدأ أساسي في حياتهم الزوجية، خصوصًا في هذا العصر الذي أصبحت فيه العلاقات الزوجية تنخرم لمجرد أيسر الأشياء؛ للمحافظة على استقرار وأمن الأسر.

مظهر الأمن من خلال مقصد النسل

الشريعة الإسلامية تعتبر النسل من أهم مقاصد الزواج، ووجوده مدعاة لعدم إقدام أي من الزوجين على فَصْم عُرَى الزوجية. والنبي (صلى الله عليه وآله) أيضا ربط الزواج بمقصدِ ضابطٍ لهذه العلاقة الزوجية، متعلق بإنشاء النسل الذي يباهي به (صلى الله عليه وآله) الأمم في قوله: >انْكِحُوا، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ<.[15] أي: مفاخر بكثرتكم. إن ربط الزواج بهذه الغاية السامية يحتم على الأزواج ضرورة تربية أولادهم تربية صالحة؛ من أجل أنْ يكون هذا النسل في المقام الذي يباهي به (صلى الله عليه وآله)، ويتجلَّى لنا مظهر الأمن هنا في كون هذه التربية سيكون لها أثر كبير في تحقيق الأمن الاجتماعي في المجتمع. كما أنَّ ربط الزواج بهذا النوع من النسل يحتم على الأجيال والمجتمعات أنْ تكون أجيالًا صالحة متدينة ومصلحة، تربطها علاقات الوحدة والتعاون وحبُّ الخير، وهذا من بين العوامل المهمَّة كذلك في نشر الأمن الروحي والاجتماعي، والمتأمل كذلك في مظهر الأمن المتمثل في هذا المقصد يتبيَّن له أنَّه يوجهنا أيضًا إلى ضرورة الاعتناء بالحالة الصحية والنفسية للأبناء؛ أي: إنَّ تحقيق هذا المقصد يفضي بنا إلى تحقيق أمن اجتماعي وصحي ونفسي وروحي.

مسؤولية الوالدين عن تربية الأولاد

إنَّ من الآيات الجليلة الدالة على عظمته تعالى وقدرته، أنْ خلق الناس من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، ثمَّ منح الزوجين الأولاد والذرية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء}.[16] وهذا المنح الكبير نعمة جلية، يستحق عليها الشكر الجزيل، والثناء الدائم، لأنَّ الذرية أمل البشرية منذ وُجدتْ، وستبقى كذلك حتى تقوم الساعة، للمحافظة على بقاء الجنس البشري، وإنَّ الأزواج يتطلعون بسرعة عقب الزواج إلى الذرية الطيبة، ويسألونه تعالى ذلك، إنْ تأخرتْ قرائن الحمل، وضربوا في مشارق الأرض ومغاربه لاتخاذ الأسباب للإنجاب، وهذه من سننه تعالى في الناس، فقال تعالى على لسان نبيِّه: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء}.[17] وقال تعالى أيضاً: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}.[18]

وهذه النعمة ذات أثر عظيم على الإنسان، وتلتقي مع فطرته وغريزته، فإذا بشر الناس بالمولود تلألأت وجوههم بالبشر والفرح والسرور، وامتلأت قلوبهم بالسعادة والحبور، وانتظروا من الأهل والأصدقاء والجيران التهنئة به، لأن مولود اليوم هو رجل المستقبل، وأمل الوالدين، وذخر الأمة، والطفل امتداد لحياة الإنسان على الأرض، وهو فرع من شجرته، وثمرة من غراسه، ولا يتمنى أحد أن يكون غيره أحسن منه إلاَّ أن يكون ولده.


وعند الوصول إلى هذا الأمل تهدأ النفوس، وترتاح القلوب، وتتعلق المهج بالمولود الجديد الذي خلقه تعالى، ومنحه للوالدين كرماً وفضلاً، ولم يكن لهما حَوْل ولا طَوْل في خلقه وإيجاده، فهو أمانة في أيديهم، ويحتمل أن يسترد صاحب الأمانة وديعته، أو أنْ يترك الولد بين أهله فترة ليرعوا حق الله تعالى فيه، ويحافظوا عليه، ويطبقوا عليه شريعته وأحكامه، وهذا حق للولد على والده، وبعبارة أخرى فهي واجبات على الوالد، يجب عليه القيام بها، وإذا قوي ساقه، واشتد عوده، وجب عليه حسن التربية والتوجيه والتهذيب والتعليم، وهذا أهم واجب على الآباء والأمهات تجاه الأولاد، ولذلك يؤكد القرآن الكريم هذا الشأن عند الوالدين فيأمرهم برعاية الأولاد، ويوصيهم بالحفاظ عليهم، فيقول تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}.[19]

يولد الطفل على الفطرة، ويُصِّدق كلَّ ما يسمع من والديه، مهما كانت الأفكار سخيفة أم رائعة كاذبة أم صادقة، ويكون عقل الطفل، في مرحلة الطفولة الأولى كالطين، يمكن للأب أنْ يشكلها كما يشاء، وتكون نفسه كالصفحة البيضاء، تخط فيها الأم ما تشاء، وتثبت عليها ما تريد، ويمتاز الطفل  في هذه المرحلة بحب التقليد والمحاكاة لتحركات والديه وتصرفاتهما، لذا يتحمل الوالدان المسؤولية الأولى على التربية والإعداد والتثقيف والتوجيه لما يُحبّه الله ويرضاه، وقد خصهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه المسؤولية: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».[20] فالمسؤولية على الوالدين عظيمة، وتترتب عليهما نتائج خطيرة في الدنيا والآخرة، فيلتزم الوالدان أن يُنَشِّئا أولادهما على الإيمان الكامل، والعقيدة الصحيحة، وأن يعوداهما على التكاليف الشرعية والآداب الإسلامية، والأخلاق الفاضلة.

وإن إعداد الجيل المؤمن الصالح يقع على عاتق الآباء والأمهات، لأن الطفل ينظر إلى والديه، وكأنهما المثل الأعلى، ويلتف حولهما، ويطرح عليهما كل الأسئلة، ويعتقد أنهما يحوزان العِلْم اللدني، وأنهما كل شيء في الوجود، فهم الأنا الأعلى بالتعبير التربوي الحديث، ويتلقى الطفل منهما في بدء حياته كلَّ توجيه، لقناعته الكاملة بكل ما يقولان، وتسيطر على أحاسيسه تعابير والديه، ولا يقتصر الأمر على التوجيه المباشر، بل يقلد والديه في الأشياء الكثيرة سواء كانت حسنة أم سيئة، بطريق مباشر أم غير مباشر، ويستحوذ على فكره اللاشعوري كثير من تصرفات الوالدين في الرضا والغضب، في الحب والكره، في السعادة والشقاوة، وإن هذه الظروف العامة المحيطة، والقناعات المطلقة، لا تتوفر في أية مرحلة أخرى من مراحل التربية، كما تتوفر للطفل في أسرته، ومع والديه، بالإضافة إلى الدوافع الفطرية بالمحبة المتبادلة، والتضحية اللامتناهية من الآباء والأمهات لأولادهم، وأنهم أمل المستقبل، وسبيل البقاء والاستمرار، لذلك كانت مسؤولية الوالدين في التربية أول المسؤوليات وأهمها أمام الله تعالى.

فإنْ تخلَّى الآباء والأمَّهات عن ذلك فقد لحقهم إثم كبير، ووباء عريض، ونالوا خسارة جسيمة، وخانوا الأمانة التي وضعها الله في أيديهم، وأضاعوا الوديعة التي كلفهم الله بحفظها، وتحملوا مسؤولية ذلك في الدنيا والآخرة، لذلك حذّر القرآن الكريم الآباء والأمهات من ذلك، ونبههم إلى خطره، وأنهم مسؤولون عن أهلهم كمسؤوليتهم عن أنفسهم بترك المعاصي وفعل الطاعات، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.[21]


[1] . البقرة: ١٢٥.

[2] . البقرة: ١٢٦.

[3] . العنكبوت: ٦٧.

[4] . يوسف: ٩٩.

[5] . سبأ: ١٨.

[6] . النحل: ١١٢.

[7] . قريش:٣-٤.

[8] . الإسراء: 6.

[9] . ص: ٢٤.

[10] . هود: ٦١.

[11] . الشورى: ١٣.

[12] . الأحوال الشخصية: 19.

[13] . مقاصد الشريعة الإسلامية: 172- 174.

[14] . الروم: 21.

[15] . سنن ابن ماجة: 1/599.

[16] . النساء: 1.

[17] . آل عمران: 38.

[18] . مريم: 5 – 6.

[19] . النساء: 11.

[20] . صحيح البخاري: 2/5.

[21] . التحريم: 6.