محسن الحكيم

محسن الحكيم: المرجع الديني الأعلى للشيعة الإمامية في عصره، وأحد مشاهير العلماء، ومن كبار فقهاء ومجاهدي العراق، ومن أبرز مراجع التقليد في الحوزة العلمية في النجف الأشرف في القرن الرابع عشر الهجري. كان له الدور البارز في نشر المكتبات العلمية في مدن العراق وسائر البلاد الإسلامية.

السيّد محسن الحكيم
الاسم محسن الحكيم‏
الاسم الکامل محسن مهدي صالح الطباطبائي الحكيم‏
تاريخ الولادة 1889م/1306ق
محلّ الولادة النجف (العراق)
تاريخ الوفاة 1970م/1390ق
المهنة مرجع شيعي، فقیه وأصولي، عالم ديني
الأساتذة الآخوند الخراساني، والشيخ ضياء الدين العراقي، والشيخ علي باقر الجواهري، والشيخ محمّد حسين النائيني
الآثار مستمسك العروة الوثقى‏، حقائق الأُصول، نهج الفقاهة، المسائل الدينية، شرح المختصر النافع، منهاج الصالحين، منهاج الناسكين، توضيح المسائل
المذهب شیعي


الولادة

أبصر السيّد محسن بن مهدي بن صالح بن أحمد بن محمود الحكيم الطباطبائي الحسني النجفي النور يوم عيد الفطر من سنة 1306 هـ في النجف وسط أسرة معروفة، أبوه العالم الديني السيّد مهدي بن صالح الطباطبائي النجفي المشهور بالسيّد مهدي الحكيم. توفّي والده وهو في سنّ السادسة من العمر، فتكفّله أخوه الأكبر السيّد محمود.

الدراسة والأساتذة

تعلّم القراءة والكتابة وهو في السابعة من عمره، وفي سنّ التاسعة دخل السلك الحوزوي لينهل من نمير العلوم والمعارف الدينية، فدرس المقدّمات كعلوم اللغة العربية والمنطق وبعض كتب أصول الفقه كالقوانين والمعالم فضلاً عن بعض الكتب الفقهية كـشرائع الإسلام واللمعة الدمشقية، حيث تلمذ فيها على يد أخيه السيّد محمود، ودرس المراحل اللاحقة على يد كبار العلماء، منهم: الشيخ صادق الجواهري، وصادق البهبهاني.

وبعد أن طوى المراحل التي تؤهّل الطالب لحضور أبحاث الخارج شرع سنة 1327هـ بحضور أبحاث كبار المراجع والفقهاء، منهم: الآخوند محمّد كاظم الخراساني، وضياء الدين العراقي، والشيخ علي باقر الجواهري، والميرزا محمّد حسين النائيني، والسيّد أبو تراب الخوانساري، فنهل من نمير علمهم في الفقه والاأصول والرجال حتّى نال درجة الاجتهاد التي تمثّل أرفع درجة علمية ينالها طلّاب العلوم الدينية.

كذلك أخذ الاخلاق عن كلّ من: السيّد محمّد سعيد الحبّوبي، وباقر القاموسي، والسيّد علي القاضي، والشيخ علي القمّي.

من بعد ذلك تصدّى للبحث والتدريس، حتّى غدا مرجعاً دينياً كبيراً.

التلاميذ

بعد أن عاد السيّد الحكيم من الجهاد شرع -وبالتحديد عام 1333 هـ- بإلقاء الدروس لمرحلة السطوح، وفي سنة 1337هـ شرع بإلقاء محاضراته في البحث الخارج لمادّتي الفقه والأصول، والتي استمرّت ما يقارب من نصف قرن تخرّج خلالها الكثير من العلماء والأفاضل، منهم: السيّد يوسف الحكيم\ الشيخ محمّد تقي آل ‌فقيه\ السيّد إسماعيل الصدر\ السيّد محمّد تقي بحر العلوم\ السيّد محمّد باقر الصدر\ السيّد محمّد علي القاضي الطباطبائي\ السيّد علي الحسيني السيستاني\ السيّد أسد اللّه المدني\ الشيخ محمّد مهدي شمس‌ الدين\ السيّد محمّد حسين فضل ‌اللّه\ الشيخ حسين وحيد الخراساني\ السيّد موسى الصدر\ السيّد حسن الخرسان\ السيّد حسين مكّي العاملي\ محمّد تقي التبريزي\ نصر اللّه الشبستري\ السيّد محمّد سعيد الحكيم\ السيّد محمّد الموسوي البجنوردي\ السيّد جلال الدين الآشتياني\ الشيخ علي أكبر الهاشمي الرفسنجاني\ الشيخ محمّد تقي الجعفري\ السيّد مصطفي الخميني\ الشيخ محمّد جواد مغنية\ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي\ الشيخ محمّد هادي معرفة\ السيّد مسلم الحلّي\ السيّد موسى‏ آل بحر العلوم\ الشيخ محمّد إبراهيم الجنّاتي\ الشيخ محمّد آصف المحسني\ السيّد محمّد محمّد صادق الصدر.

المرجعية

بعد رحيل الشيخ محمّد حسين النائيني (1355هـ ) رجع بعض مقلديه إلى السيّد محسن الحكيم، وتعزّزت مرجعيته بعد رحيل السيّد أبي الحسن الأصفهاني (1365هـ )، وبعد رحيل السيّد حسين البروجردي (1380هـ ) أصبح السيّد الحكيم المرجع الأعلى للشيعة في العالم.

المؤلّفات

ترك السيّد الحكيم عدّة مؤلّفات، منها: مستمسك العروة الوثقى‏، حقائق الأُصول، نهج الفقاهة، المسائل الدينية، شرح المختصر النافع، منهاج الصالحين، منهاج الناسكين، توضيح المسائل، رسالة في سجود السهو، رسالة في إرث الزوجة، رسالة في علم الدراية.

الاشتراك في الجهاد

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى والتي خلّفت حرقة شديدة في قلوب الناس، ورغم الجفاء والحيف الذي لحق بالشيعة جرّاء السياسة العثمانية، إلّا أنّ ذلك لم يمنع من تساميهم على الخلافات الداخلية والعضّ على الجراح لمواجهة العدوّ الذي اجتاج العالم الإسلامي، حيث أصدر مراجع التقليد في العراق حكماً بوجوب الجهاد أمام المدّ البريطاني، ولم يكتفوا بذلك بل شاركوا مباشرة بتلك المعارك.

وكان للسيّد الحكيم دور بارز في هذه المعارك، وقد شارك عام 1333 ه في الجهاد ضدّ الإنجليز، حيث تصدّى وبأمر من السيّد محمّد سعيد الحبّوبي لقيادة الجانب الأيمن في معركة الشعيبة، وتحت هذا العنوان كانت المساعدات الشعبية وتلك التي تأتي من قبل الدولة العثمانية لإمداد الجيوش تجتمع عنده ليقوم بتوزيعها على المجاهدين، غير أنّ معركة الشعيبة انتهت بتقهقر المجاهدين فيها وسقوط المدينة.

الوفاة

بعد الانقلاب البعثي وتصدّي أحمد حسن البكر وحزب البعث للسلطة قام نظام البعث بتضييق الخناق على السيّد الحكيم للخضوع لهم، ففرضوا عليه – وذلك في السنين الأخيرة من عمره- الإقامة الجبرية ومارسوا التضييق على طلّاب العلوم الدينية خاصّة والشيعة في العراق عامّة.

في السابع والعشرين من ربيع الأوّل سنة 1390 هـ رحل السيّد محسن الطباطبائي الحكيم في أحد مستشفيات بغداد عن عمر ناهز الرابعة والثمانين، فشيّع جثمانه إالى كربلاء المقدّسة ومنها إلى النجف الأشرف تشييعاً مهيباً، ودفن بوصية منه في مكتبته العامّة التي عرفت باسمه.

الذرّية

للسيّد الحكيم عشر أبناء وأربع بنات. أبناؤه هم: يوسف، محمّد رضا، محمّد مهدي، كاظم، محمّد باقر، عبد الهادي، عبد الصاحب، علاء الدين، عبد العزيز، ومحمّد حسين.

السيرة التقريبية

إنّ الإمام الحكيم انتهج المنهج العملي في التقريب مضافاً إلى الجانب الفقهي، وكان لذلك دور كبير في تحقيق وحدة المسلمين وتقاربهم والتعايش بينهم على المستوى الشعبي بالرغم من السياسات الطائفية المقيتة التي اتّبعتها بعض الأنظمة التي حكمت العراق.
ويمكن تلخيص معالم هذا المنهج التقريبي الاجتماعي والعملي في النقاط التالية:
النقطة الأُولى: الاهتمام بالقضايا الكبرى والمصيرية المشتركة للأُمّة، مثل:
1- القضية الفلسطينية، حيث كانت له في هذا المجال- مضافاً إلى الطرح السياسي والمشاركة في الأحداث الكبيرة كانتكاسة الخامس من حزيران وإحراق المسجد الأقصى وحضور المؤتمرات- الفتوى المهمّة في تأييد العمل الفدائي وجواز صرف الزكوات عليه في وقت كان يعاني فيه العمل الفدائي أزمة في جنوب لبنان، وكان أبناء الجنوب من مقلّدي الإمام الحكيم.
وكذلك موقفه المهمّ في منع حكومة الشاه من الاعتراف بإسرائيل، ورسالة الشيخ شلتوت إليه، وجوابه عليها أفضل دليل على ذلك حيث كان جوابه الرسالة الوحيدة العملية في هذا المجال.
مضافاً إلى تقديمه الطرح الفكري والسياسي لإنقاذ فلسطين بالانتقال من الدائرة الضيّقة إلى الدائرة الإسلامية الواسعة.
2- قضية الغزو السياسي والثقافي الأجنبي، حيث كان لموقفه ضدّ التهديد الشيوعي للعراق وخطر استيلاء الحزب الشيوعي على مقدّرات الحكم هناك بعد انقلاب تمّوز سنة 1958 م دور كبير في إحباط هذا التهديد الخطير، وهو موقف يعرفه جميع المتابعين للأحداث، ولا سيّما فتواه الجريئة «الانتماء إلى الحزب الشيوعي كفر وإلحاد أو ترويج للكفر والإلحاد» والتي هزّت أركان الحزب الشيوعي الذي كاد أن يسيطر على الأوضاع بعد أن سيطر على الشارع العراقي وهزم الأحزاب القومية والليبرالية واليسارية الأُخرى.
كما كان له دور مهمّ أيضاً في حماية علماء الإسلام من أهل السنّة الذين كانوا يواجهون خطر القتل والموت على يد الشيوعيّين كإخوانهم الشيعة تحت شعار أنّهم من أنصار القومية العربية، ويعرف هذه الحقيقة جميع علماء أهل السنّة في العراق الذين عاصروا هذه الأحداث.
كما قام الإمام الحكيم بعمل واسع من أجل حماية الضبّاط من أهل السنّة أيضاً الذين كانوا يتعرّضون بسبب هذا المدّ الأحمر لخطر القتل صبراً «الإعدام»، وقد تمّ إعدام بعضهم فعلًا، ورسالة الإمام الحكيم بشأنهم مدوّنة في مذكّرات الطبقجلي.
3- قضية الاستبداد السياسي والطائفية السياسية التي كان يقف الإمام الحكيم فيها مدافعاً عن جميع أبناء الشعب العراقي دون فرق، وكلمته مع رئيس الوزراء «طاهر يحيى‏» بهذا الصدد معروفة، حيث قال له: «إنّنا نطالب بحكم عادل حتّى لو كان الحاكم سنّياً، ونرفض الظلم والطغيان حتّى لو كان الحاكم شيعياً».
النقطة الثانية: الدفاع عن المظلومين من أهل السنّة، كما حدث ذلك بالنسبة إلى جماعة الأكراد في العراق وغالبيتهم من أهل السنّة، فقد وقف الإمام الحكيم مدافعاً عنهم ومحرِّماً على غالبية الجنود وأبناء القوّات المسلّحة من أتباعه قتالهم.
وكذلك موقفه من محاولات عبدالكريم قاسم لغزو الكويت واحتلالها مع أنّ غالبية شعب الكويت من أهل السنّة.
النقطة الثالثة: إقامة العلاقات الحميمة مع أوساط أهل السنّة العلمية والاجتماعية والسياسية سواء في داخل العراق أم خارجه، من خلال: تبادل الزيارات، وإهداء الكتب، والحضور في المؤتمرات والمنتديات، وإقامة المؤسّسات المشتركة، والتعاون على البرّ والتقوى معهم في مختلف المجالات والأحداث، وتدريس الثقافة الإسلامية لجميع المذاهب في المؤسّسات العلمية الشيعية كما في كلّية الفقه وأُصول الدين، وغير ذلك من النشاطات، والانفتاح على الدول العربية والإسلامية في إقامة العلاقات كما في الباكستان والمملكة العربية السعودية ومصر والأردن ولبنان.
يقول الدكتور محمّد حسين الصغير: «اكتسب السيّد الحكيم شهرة واسعة لدى صلته بالسيّد الحبّوبي، كما اكتسب جلائل صفاته في الخُلق الرفيع والسلوك العرفاني والإنابة إلى اللَّه تعالى. وكان السيّد الحبّوبي قد لازم كبير علماء الأخلاق في عصره الشيخ حسين قلي الهمداني، وهو من علماء السلوك والرياضة والعرفان، فكانت تجارب السيّد الحبوبي في هذه الصحبة السلوكية تفرغ شحناتها في قوالب شخصية السيّد الحكيم الذي برز فيما بعد مضافاً إلى مرجعيته الكبرى مثالًا للسلوك العرفاني والمدرسة الإلهية في تربية الذات، وتقويم النفس، وتحصيل الكمالات، ومخالفة الهوى، ومجاهدة الآمال... وهذا ممّا يرتفع بمستوى الروح إلى درجة الصدّيقين والشهداء والصالحين. وجابه الإمام الحكيم في حياته شتّى الصروف والفتن، وقاسى ألوان البلاء والشدّة، فقابل ذلك بالصبر الجميل والاستعانة باللَّه والإنابة إليه. وكان هذا النحو من السلوك قد أكسبه حياة متحرّكة فيّاضة، فهو من الفقهاء نموذجهم المثالي الأرقى، وهو لدى العارفين وحيد عصره روحانية وخلوصاً، وهو عند الشرائح الشعبية المتعدّدة رمز الأُبوّة الصالحة التي تفيض عطفاً وحناناً. ونتيجة لهذا السلوك كان السيّد الحكيم لا يستبدّ بالرأي اجتماعياً وسياسياً، بل له مستشارون من مختلف الطبقات، عليهم أن يشيروا وعليه أن يرى، ولطالما وفّق بين آراء مستشاريه المتعارضة، وهو صاحب القرار وحده، لا يفرض عليه من أيّة جهة، فلا محسوبية ولا منسوبية لديه، بل هي المصلحة الدينية العليا، وهو بها ينطلق من خلال تكليفه الشرعي ليس غير. وطالما استعرض السيّد الحكيم فضل اللَّه عليه، فيقابله بالشكر والامتنان، ويعدّد نعم اللَّه التي لا تحصى عليه، فيلاحظها بعين الإخبات والخضوع، وهو بين هذا وذاك شاكر للَّه‏على نعمائه، ذاكر له على آلائه، لا يزيده ذلك إلّاتواضعاً وإنابة وزلفى، حذراً من الاستدراج بتوالي النعم، ومخافة أن لا يؤدّي حقّ شكر المنعم، وهذا من مظاهر مراقبته للَّه‏ عزّ وجلّ في السرّ والعلن».

المصدر

(انظر ترجمته في: معارف الرجال 3: 121- 127، أعيان الشيعة 9: 56- 57، الأعلام للزركلي 5: 290، معجم رجال الفكر والأدب 1: 423- 424، مع علماء النجف الأشرف 2: 336- 337، المنتخب من أعلام الفكر والأدب: 392- 393، موسوعة طبقات الفقهاء 14: 509- 511، أساطين المرجعية العليا: 85- 170، موسوعة الأعلام 3: 31، المعجم الوسيط فيما يخصّ الوحدة والتقريب 2: 70- 72).