جواز الإسناد إلی الشارع وعدمه

جواز الإسناد إلی الشارع وعدمه: والمراد بالإسناد في علم الفقه إسناد مؤدَّى الأمارة إلى الشارع. لا ترديد في حرمة إسناد مؤدَّى الأمارة إلى الشارع عند الشك في حجّيتها؛ لأنَّه تشريع عملي وقولي دلَّت على حرمته الأدلَّة الأربعة (الكتاب والسنّة والإجماع والعقل). كما لا شكَّ في صحَّة الإسناد إذا كان الحكم مقطوعا به؛ لأنَّه إسناد بعلمٍ، ولا شكَّ أيضاً في جواز إسناد الحكم الظاهري إلى المولى بعنوان كونه ظاهريا، والإشكال في إسناد الحكم الواقعي الذي تحكيه الأمارة.

دليل القائلين بعدم جواز الإسناد

يرى بعضٌ مثل الشيخ الآخوند عدم جواز الإسناد؛ بدليل عدم التلازم بين حجّية الظنّ عقلاً وصحَّة نسبة مؤداه إليه تعالى، فإنَّ صحَّة النسبة ليست من آثار الحجّية؛ لأنَّ حجّية الظن عقلاً لا توجب صحَّة النسبة ولا علاقة بينهما. [١] رأي الشيخ الآخوند يعتمد مبناه في أنَّ المجعول في باب الأمارات هو التنجيز والتعذير، وهذا لايلازم ثبوت المؤدَّى وكونه حكما شرعيا، لا حقيقةً ولا تعبُّدا، حتَّى يستند إلى الشارع، فلا يجوز إسناده. [٢] ردَّ المحقّق النائيني القول بعدم الجواز من خلال قوله: بأنَّ الظنَّ إذا أصبح حجّة فيكون حاله حال العلم، فإذا صحَّ الإسناد حال العلم صحَّ كذلك حال الظنّ الذي ثبتت حجّيته، وصحة إسناد مؤدَّى الأمارة إلى الشارع من اللوازم التي لا تنفكُّ عن حجِّيتها، ولايعقل التفكيك بينهما، وجعل الحجّية للظنّ يعني اكتفاء الشارع به كبديل للعلم دون التفريق بين اللوازم. ولذلك اعتبر من المشكل القول بتحريم الإسناد هنا. [٣] هذا بالاضافة إلى أنّ الشك في الحجّية لاينفي جميع آثار الحجّية، ورغم أنَّ الآثار العقلية لها ـ كالتعذير والتنجيز ـ واضحة الانتفاء، إلاَّ أنَّ الإخبار والإسناد غير واضح الانتفاء؛ لكونه يرجع إلى الشبهة الموضوعية الجارية فيها أصول الحلّ والبراءة... [٤]

دليل القائلين بجواز الإسناد

يرى أغلب الأصوليين أنَّه إذا ثبتت الحجّية لدليل فلا شكَّ في صحّة إسناد مؤدَّاه؛ باعتباره من آثار الحجّية، ويبدو من كلمات الأصوليين أنّ هناك علاقة بين الاثنين، فإنّه لايصحّ الإسناد إلاّ مع الحجّية، كما أنَّ عدم صحَّة الإسناد يكشف عن عدم الحجّية[٥]. وقد استدلَّ بعضً على نفي حجّية المشكوك بما دلَّ على عدم جواز الاستناد والإسناد مع عدم العلم. [٦] أهمُّ دليل للقائلين بالجواز هو عدم إمكانية التفكيك بين جعل الحجّية للظن وبين إسناد المؤدَّى، كأحد آثار جعل الحجّية. [٧] وهناك تبريرات أخرى للجواز من قبيل قول بعض: بأنَّ جعل الطريقيّة للأمارة كافٍ في صحّة الإسناد؛ فإذا قلنا بأنَّ المجعول في باب الحجج والأمارات هو جعل الطريقيّة، فلا يرد هذا الإشكال؛ لأنَّ المجعول هنا هو كون عدم العلم علما، ولاينفكُّ ذلك عن جواز الإسناد؛ لأنَّه من آثار العلم ومن جعل بمثابته كذلك. [٨] لكنَّ بعضا آخر يرى أنَّ جعل الطريقيّة لايجدي نفعا في صحَّة الإسناد والاستناد؛ لأنَّ هذا ـ بناءً على الطريقيّة ـ توهُّم مبنيٌّ على أنَّ الجاعل يعتبر وصول الحكم، فيصحُّ إسناده، لكنَّ الإسناد من الآثار العقلية الواقعية للوصول الواقعي للحكم، فلا ينفع اعتبار الوصول في إخراجه عن التشريع. ويشهد على ذلك سيرة العقلاء، فإنَّ اتّباعهم لأمارة إذا لم يكن من باب الاطمئنان وانكشاف الواقع بل من باب التعبُّد، فلا يسندون مؤداها للمتكلِّم واقعا، سواء أكان المجعول هو الطريقيّة أو غيرها، فإنَّ ذلك لايصحِّح نسبة المؤدَّى واقعا، وليس للمخاطب أن يقول: مراد المتكلم واقعا كذا. [٩] وقد يقال: إنَّ البحث هنا يرجع إلى بحث قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي أو عدم قيامها، فإذا قيل بقيامها مقام القطع الموضوعي، بحيث نزَّل المولى الأمارة منزلة الكاشف التام في أحكامه الشرعية، كما نزَّل الطواف منزلة الصلاة (الطواف بالبيت صلاة) جاز الإسناد وإلاَّ فلا. [١٠]

المصادر

  1. كفاية الأصول : 280.
  2. زبدة الأصول الروحاني 3 : 98.
  3. فوائد الأصول 3 : 122 ـ 123، وانظر : تحريرات في الأصول 6 : 272.
  4. تحريرات في الأصول 6 : 271.
  5. انظر : مصباح الأصول 2 : 112 ـ 113، دروس في علم الأصول 1 : 210، زبدة الأصول الروحاني 3 : 98.
  6. منتقى الأصول 4 : 196.
  7. انظر : فوائد الأصول 3 : 122 ـ 123، تحريرات في الأصول 6 : 272.
  8. زبدة الأصول الروحاني 3 : 98.
  9. منتقى الأصول 4 : 189.
  10. دروس في علم الأصول 1 : 210.