الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الاستثناء»

أُضيف ١٥٬٥٢٩ بايت ،  ٦ مارس ٢٠٢١
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
لا ملخص تعديل
سطر ١٤٧: سطر ١٤٧:
وردّ الدليل الثاني بأنّ حصول الاستقلال بتعلّقه بالأخيرة، إنّما يقتضي عدم القطع بالتعلّق بغيرها، وعليه العود إلى الجميع محتمل، لا واجب. <ref> معالم الدين : 134، وانظر : الذريعة 1 : 254 ـ 255.</ref>
وردّ الدليل الثاني بأنّ حصول الاستقلال بتعلّقه بالأخيرة، إنّما يقتضي عدم القطع بالتعلّق بغيرها، وعليه العود إلى الجميع محتمل، لا واجب. <ref> معالم الدين : 134، وانظر : الذريعة 1 : 254 ـ 255.</ref>
ورُدَّ الدليل الثالث بأنَّ العطف بالواو يوجب نوعا من الاتّحاد بين المعطوف والمعطوف عليه، فتصير الجمل كالجملة الواحدة التي لا فصل بين أجزائها. <ref> انظر : روضة الناظر : 135، البلبل في أصول الفقه : 68، ابن قدامة وآثاره الأصولية 2 : 258.</ref>
ورُدَّ الدليل الثالث بأنَّ العطف بالواو يوجب نوعا من الاتّحاد بين المعطوف والمعطوف عليه، فتصير الجمل كالجملة الواحدة التي لا فصل بين أجزائها. <ref> انظر : روضة الناظر : 135، البلبل في أصول الفقه : 68، ابن قدامة وآثاره الأصولية 2 : 258.</ref>
=====القول الثالث: الاشتراك=====
أي أنَّ الاستثناء إذا تعقَّب جملاً، وصحَّ رجوعه إلى كلِّ واحدة منها لو انفردت، فالواجب تجويز رجوعه إلى جميع الجمل، كما قال الشافعي، وتجويز رجوعه إلى ما يليه، على ما قال أبو حنيفة، وألاَّ يقطع على ذلك إلاَّ بدليل منفصل أو عادة أو أمارة، وهو للسيّد المرتضى<ref> الذريعة 1 : 249.</ref>، وقد فُسِّرَ رأيه بالقول: إنَّه يرجع إلى ما يليه قطعا، ويجوز مع ذلك رجوعه إلى ما تقدَّمها من الجمل، ويقف ذلك على البيان. <ref> العُدّة في أصول الفقه الطوسي 1 : 321، وانظر: معارج الأصول: 94.</ref>
ويقرب من هذا المعنى ما ذهب إليه الشيخ جمال الدين، إذ قال: «إنَّ اللفظ محتمل لكلٍّ من الأمرين، لايتعيَّن لأحدهما إلاَّ بالقرينة. وليس ذلك لعدم العلم بما هو حقيقة فيه، كمذهب الوقف<ref> عُدَّ التوقّف وعدم إبداء الرأي في هذا الموضوع مذهبا ورأيا، وذهب إليه الغزالي في المنخول : 161، وكذلك القاضي أبي بكر وجماعة من الشافعية، انظر : الإحكام الآمدي 1 ـ 2 : 506.</ref>، ولا لكونه مشتركا بينهما مطلقا، كما يقوله المرتضى وإن كنّا في المعنى موافقين له».<ref> معالم الدين : 122.</ref>
استدلَّ [[السيد المرتضى]] على رأيه بما يلي:
1 ـ إنَّ القائل إذا قال لغيره: «اضرب غلماني والقَ أصدقائي إلاَّ واحدا» يجوز أن يستفهمه المخاطب، هل أراد استثناء الواحد من الجملتين أو من جملة واحدة؟ والاستفهام لا يَحْسُن إلاَّ مع احتمال اللفظ واشتراكه.
2 ـ إنَّ الظاهر من استعمال اللفظة في معنيين مختلفين ـ  من غير أن تقوم دلالة على أنَّها متجوّز بها في أحدهما  ـ أنَّها حقيقة فيهما.
3 ـ لا بدَّ في الاستثناء المتعقّب لجملتين من أن يكون: إمَّا راجعا إليهما معا، أو إلى ما يليه منهما؛ لأنَّه من المحال ألاَّ يكون راجعا إلى شيء منهما، وقد نظرنا في كلّ ما يمكن أن يوجب القطع برجوعه إليهما أو إلى الجملة التي تليه، ولم نجد ما يوجب ذلك، فوجب أن نقف بينهما ولا نقطع بشيء منهما إلاَّ  بدلالة.
4 ـ القياس على الحال أو ظرف الزمان أو المكان، ففي قوله: (ضربت غلماني، وأكرمت جيراني، وأخرجت زكاتي قائما) من المحتمل رجوع الحال إلى جميع ما عدّده من الأفعال، كما يحتمل أن يكون المتعلَّق به ما هو أقرب إليه، فكذلك الاستثناء. <ref> الذريعة 1 : 250 ـ 252.</ref>
رُدَّ الدليل الأوَّل بأنَّه يجوز أن يكون الاستفهام لعدم المعرفة بالمدلول الحقيقي والمجازي أصلاً، أو لأنَّه حقيقة في بعض، مجاز في بعض آخر، والاستفهام للحصول على اليقين ودفع الاحتمال البعيد.
ورُدَّ الدليل الثاني: متى يكون الأصل في الإطلاق الحقيقة: إذا أفضى إلى الاشتراك المُخلّ بمقصود أهل الوضع من وضعهم، أو إذا لم يفضِ؟ الأوّل ممنوع، والثاني مسلَّم، ثمَّ وإن كان ذلك هو الأصل مطلقا غير أنَّه أمر ظني، ولِمَ قلتم بإمكان التمسّك به فيما نحن  فيه؟<ref> الإحكام الآمدي 1 ـ 2 : 511 ـ 512.</ref>
كما رُدَّ بأنَّه على تقدير تسليمه إنَّما يدلّ على كون اللفظ حقيقة في الأمرين لا على الاشتراك؛ لجواز كونه بوضع واحد، ولا بدَّ في الاشتراك من وضعين.
ورُدَّ الدليل الثالث بأنَّ عدم الدليل المعتبر على تحتُّم عوده إلى الجميع أو اختصاصه بالأخيرة لايقتضي المصير إلى الاشتراك، بل يتردَّد الأمر بينه وبين الآراء الأخرى وبين الوقف. <ref> معالم الدين : 127.</ref>
وأجيب عن الدليل الرابع بأنَّا لا نسلّم صحّة ما ذكره في الحال والظرف، بل هو عائد إلى الكلّ أو ما يليه على اختلاف المذهبين، وإن سُلِّم ذلك، غير أنَّه آئل إلى القياس في اللغة، وهو باطل. <ref> الإحكام الآمدي 1 ـ 2 : 512.</ref>
=====القول الرابع: التفصيل=====
وقد تعدّدت المذاهب في التفصيل، فبعض قال: إن كان الشروع في الجملة الثانية إضرابا عن الأولى، ولايضمر فيها شيء ما في الأولى، فالاستثناء مختصّ بالجملة الأخيرة، وإن لم تكن الجملة الأخيرة مضربة عن الأولى بل لها نوع تعلّق، فالاستثناء راجع إلى الكلّ. وهو رأي القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وجماعة من المعتزلة. <ref> انظر : المعتمد 1 : 264، الإحكام الآمدي 1 ـ 2 : 504 ـ 505، نهاية الوصول (العلاّمة الحلّي) 2 : 261.</ref>
كما فصَّل العلاّمة الحلّي، وذهب إلى اعتماد القرينة على الأمرين<ref> تهذيب الوصول : 141.</ref>: «وهو ليس بجيد؛ لأنَّ فرض وجود القرينة يخرج عن محلّ النزاع؛ إذ هو فيما عرا عنها».<ref> معالم الدين : 122.</ref>
وفصَّل آخر بين ما إذا كان الموضوع واحدا للجمل المتعاقبة لم يتكرّر ذكره، وقد ذكر في صدر الكلام، مثل قولك: «أحسن إلى الناس، واحترمهم، واقضِ حوائجهم، إلاَّ الفاسقين»، وبين ما إذا كان الموضوع متكرّرا ذكره لكلِّ جملة كالآية الرابعة من سورة النور، وإن كان الموضوع في المعنى واحدا في الجميع.
فإن كان من قبيل الأوّل، فهو ظاهر في رجوعه إلى الجميع؛ باعتبار اتّحاد الموضوع في جميع الجمل.
وإن كان من قبيل الثاني، فهو ظاهر في الرجوع إلى الأخيرة؛ باعتبار استقلال الموضوعات، ويحتاج تخصيص الجمل السابقة إلى دليل آخر مفقود في الفرض، فيتمسَّك بأصالة عمومها. <ref> انظر : أصول الفقه المظفر 1 ـ 2 : 212، الكاشف عن المحصول 4 : 458 ـ 459.</ref>
====ثمرة الخلاف====
تظهر ثمرة الخلاف في رجوع الاستثناء إلى جميع الجمل أو الأخيرة في مثل قوله تعالى: '''«وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ‏إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا»'''<ref> النور : 4ـ5.</ref>، فإنَّه يحتمل أن يكون هذا الاستثناء من الحكم الأخير فقط، وهو فسق هؤلاء، وتبقى الجمل الأخرى على عمومها وتجري فيها أصالة العموم.
ويحتمل أن يكون استثناء منه ومن الحكم بعدم قبول شهادتهم والحكم بجلدهم الثمانين. <ref> أصول الفقه المظفر 1 ـ 2 : 212، وانظر : البرهان في أصول الفقه 1 : 141، أصول الفقه (الخضري بك) : 180، أصول الفقه (محمد أبو النور) 1 ـ 2 : 468 ـ 469.</ref>
===4 ـ الاستثناء من النفي وبالعكس===
اختلف الأصوليون في أنَّ الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، ويعود هذا الاختلاف إلى أنَّ المستثنى مُخرَج من الحكم أو من المحكوم به، فإذا قال قائل: (قام القوم إلاَّ زيدا) فهناك أمران، الأوَّل: القيام، والآخر: الحكم. والاختلاف في أنَّ الاستثناء إخراج للمستثنى من المحكوم به، وهو القيام، فيدخل في نقيضه، وهو عدم القيام، أم إخراج للمستثنى من الحكم بالقيام أو عدمه، فيدخل في نقيضه، وهو عدم الحكم، فيكون غير محكوم عليه، وهو في هذه الحالة أعمّ من أن يكون قائما وأن لايكون. <ref> الوجيز في أصول التشريع الإسلامي : 184، وانظر : شرح الجلال المحلّي 2 : 23 ـ 24، حاشية العلامة البناني 2 : 23 ـ 24، تمهيد القواعد : 198، تقرير الشربيني 2 : 23 ـ 24.</ref>
ويُنْقَلُ اتّفاق الأصوليين على أنَّ الاستثناء من الإثبات نفي، وأمَّا الاستثناء من النفي فذهب الجمهور إلى أنَّه إثبات<ref> انظر : الحاصل من المحصول 2 : 341، الاستغناء في أحكام الاستثناء : 549، شرح تنقيح الفصول : 247، العقد المنظوم : 618 ـ 619، نهاية الوصول العلاّمة الحلّي 2 : 256، شرح الجلال المحلّي 2 : 50، التمهيد (الأسنوي): 392، نهاية السّول 2 : 423 ، زبدة الأصول (البهائي) : 140 ، شرح البدخشي 2 :  137.</ref>، وذهب الحنفية إلى أنَّ الاستثناء لايكون إثباتا. <ref> انظر : أصول السرخسي 2 : 36، تيسير التحرير 1 : 294، فواتح الرحموت 1 : 326 ـ 327.</ref> وجعلوا بين الحكم بالإثبات والحكم بالنفي واسطة، وهي عدم الحكم، قالوا: فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه، لا بالنفي ولا بالإثبات. <ref> إرشاد الفحول 1 : 492.</ref>
إلاَّ أنَّ [[الزركشي]] ينفي الوفاق، ويقول: الخلاف عندهم موجود؛ لأنَّ المأخذ الذي ذكروه موجود فيهما، وهو أنّ بين الحكم بالنفي وبين الحكم بالإثبات واسطة، وهي عدم الحكم، وتركه على ما كان عليه قبل الاستثناء، بلا فرق بين الاستثناء من النفي والإثبات؛ إذ الواسطة حاصلة. <ref> البحر المحيط 3 : 301.</ref>
واستدلَّ الجمهور على رأيهم بأنَّ القائل إذا قال: «لا إله إلاَّ اللّه» كان موحّدا مثبتا للإلوهية للّه‏ سبحانه وتعالى، ونافيا لها عمَّا سواه، ولو كان نافيا للإلوهية عمَّا سوى الربّ تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى الربّ  تعالى، لما كان ذلك توحيدا للّه‏ تعالى؛ لعدم إشعار لفظه بإثبات الإلوهية للّه‏ تعالى؛ وذلك خلاف [[الإجماع]]. <ref> الإحكام الآمدي 1 ـ 2 : 512، وانظر : مبادئ الوصول : 134.</ref>
وأيضا بأ نّه إذا قال القائل: «لا عالم في البلد إلاَّ زيد» كان ذلك من أدلّ الألفاظ على علم زيد وفضيلته، وكان ذلك متبادرا إلى فهم كلّ سامع لغوي، ولو كان نافيا للعلم عمَّا سوى زيد، غير مثبت للعلم لزيد، لما كان كذلك. وعلى هذا النحو في كلّ ما هو من هذا القبيل. <ref> الإحكام الآمدي 1 ـ 2 : 512.</ref>
واستدلّ كذلك بالانسباق عند الإطلاق، فإنَّ المنسبق للذهن ما ذهب إليه الجمهور. <ref> انظر : كفاية الأصول : 209.</ref>
واستدلَّ [[الحنفية]] على رأيهم بأنَّ الاستثناء مأخوذ من قولك: ثنيت الشيء: إذا صرفته عن وجهه، فإذا قلت: «لا عالم إلاَّ زيد» فهاهنا أمران: أحدهما: هذا الحكم. والثاني: نفس العلم. فقولك: «إلاَّ زيد» يحتمل عوده إلى الأوَّل، فلا يلزم تحقّق الثبوت، ويبقى المستثنى مسكوتا عنه، ويحتمل عوده إلى الثاني، فيلزم تحقّق الثبوت؛ لأنَّ ارتفاع العدم يحصّل الوجود لا محالة. <ref> انظر : إرشاد الفحول 1 : 493.</ref>
واحتجَّ [[أبوحنيفة]] بقوله(ص): «لا نكاح إلاَّ بوليٍّ»<ref> سنن الدارمي 2 : 137 كتاب النكاح، باب النهي عن النكاح بغير ولي، حديث أبي موسى، وسنّن ابن ماجة 1 : 650 كتاب النكاح، باب 15 لا نكاح إلاّ بولي ح1880 و1881.</ref>، وقوله(ص): «لا صلاة إلاَّ بطهور».<ref> سنن أبي داود 1 : 16 كتاب الطهارة، باب فرض الضوء ح59 وفيه «لا صلاة بغير طهور».</ref>
ورُدَّ بأ نّه لم يلزم منه تحقّق النكاح عند حضور الولي، ولا تحقّق الصلاة عند حضور الوضوء، بل يدلُّ على عدم صحّتهما عند عدم هذين الشرطين. <ref> المحصول الرزاي 1: 412، الكاشف عن المحصول 4: 450 ـ 453.</ref>
ورُدَّ كذلك بأنَّه إن كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع الشرعي، فلا بدَّ من اعتبار تمام ما اشترط الشرع في النكاح والصلاة.
وإن كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع اللغوي، فدخول الباء في المستثنى قد أفاد معنى غير المعنى الذي مع عدمها، فإنَّ دخولها ليس بمخرج ممَّا قبله؛ لأنَّا لم نقل: لا نكاح إلاَّ الولي، ولا صلاة إلاَّ الطهور، بل قلنا: (إلاَّ بولي) و(إلاَّ بطهور)، فلابدَّ من تقدير متعلّق هو المستثنى منه، فيكون التقدير: لا نكاح يثبت بوجه الاَّ مقترنا بولي، أو نحو ذلك من التقديرات. <ref> إرشاد الفحول 1 : 494.</ref>


==المصادر==
==المصادر==
confirmed
١٬٦٣٠

تعديل