الفرق بين المراجعتين لصفحة: «حجية الاستصحاب»

من ویکي‌وحدت
لا ملخص تعديل
ط (استبدال النص - '====' ب'=====')
 
(١٢ مراجعة متوسطة بواسطة ٤ مستخدمين غير معروضة)
سطر ١: سطر ١:
<div class="references" style="margin: 0px 0px 10px 0px; max-height: 300px; overflow: auto; padding: 3px; font-size:95%; background: #bacef8; line-height:1.4em; padding-bottom: 50px;"><noinclude>
'''حجية الاستصحاب:''' اختلف الأصوليون في حجية [[الاستصحاب]] بين حجيته وعدم حجيته، ولکن هناک أقوال وتفصيلات کثيرة حول هذه المسألة يلزم بنا أن نشير إلی أهمها.
'''حجية الاستصحاب:''' اختلف الأصوليون في حجية [[الاستصحاب]] بين حجيته وعدم حجيته، ولکن هناک أقوال وتفصيلات کثيرة حول هذه المسألة يلزم بنا أن نشير إلی أهمها.
</div>


=الأقوال في حجّية الاستصحاب=
=الأقوال في حجّية الاستصحاب=
سطر ١١١: سطر ١١٥:
كما لايمكن الاعتماد على ادّعاء الإجماع على بعض أقسامه؛ باعتباره خاصَّا بتلك الأقسام ولايصلح دليلاً على أصل الاستصحاب.
كما لايمكن الاعتماد على ادّعاء الإجماع على بعض أقسامه؛ باعتباره خاصَّا بتلك الأقسام ولايصلح دليلاً على أصل الاستصحاب.


=المصادر=
===الدليل الثالث: العقل والعمل بالظنّ===
وقد قُرِّر هذا الدليل بأنحاء مختلفة:
'''منها:''' أنَّ الباقي حال بقائه مستغنٍ عن المؤثّر، وإلاَّ لزم تحصيل الحاصل، فيكون الوجود أولى به وإلاَّ افتقر. <ref> مبادئ الوصول : 251.</ref>
'''ومنها:''' إذا وقع العرض فيكون كالجوهر باقٍ بحدِّ ذاته، والظن غالب بدوامه أكثر من تغيِّره؛ لأنَّ دوامه مستغنٍ عن مؤثر، بينما تغيّره يفتقر إلى مؤثّر. <ref> الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 368.</ref>
'''ومنها:''' أنَّ ظنَّ البقاء أغلب من ظنِّ التغيّر. <ref> الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 368، نهاية الوصول (العلاّمة الحلّي) 4 : 367.</ref>
'''ومنها:''' أنَّ الباقي مستغنٍ عن المؤثّر والحادث مفتقر إليه، والمستغني عن المؤثّر راجح بالنسبة إلى المفتقر إليه. <ref> المحصول الرازي 2 : 549 ـ 550، نفائس الأصول 9 : 4187 ـ 4188.</ref>
'''ومنها:''' أنّه لو لم يكن حجّة لما تقررت المعجزة؛ لأنّها فعل خارق للعوائد، ولايحصل هذا الفعل إلاَّ عند تقرير العادة، ولا معنى للعادة إلاَّ العلم بوقوعه على وجه مخصوص في الحال، يقتضي اعتقاد أنّه لو وقع لما وقع إلاَّ على ذلك الوجه، وهذا عين الاستصحاب. <ref> الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 171.</ref>
'''ومنها:''' أنّه لو لم يكن حجّة لم تكن الأحكام الثابتة في عهد النبي ثابتة في زماننا، واللازم باطل، فكذا الملزوم، وجه الملازمة أنّ دليل ثبوت الأحكام في زماننا هو اعتقاد استمرارها على ما كانت عليه، وهذا هو الاستصحاب، فإذا لم تكن حجّة لم يمكن الحكم بثبوتها، لجواز تطرق النسخ. <ref> الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 172.</ref>
'''ومنها:''' أنَّ الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق. <ref> كفاية الأصول : 388.</ref>
'''ومنها:''' العقل النظري لا العملي يدرك الملازمة بين ثبوت شيء في الزمن السابق ورجحان بقائه في الأزمنة اللاحقة، فإذا علم الإنسان بثبوت شيء في زمن سابق، ثمَّ طرأ ما يزلزل العلم ببقائه في الزمن اللاحق، فإنَّ العقل يحكم برجحان بقائه ظنّا منه بالبقاء. <ref> أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 294.</ref>
وبعض استدلَّ بالعقل على قسم خاص من الاستصحاب، وهو [[البراءة الأصلية]] أو العدم الأصلي الأزلي فقال: دلَّ العقل على براءة الذمة من الواجبات وسقوط الحرج عن الحركات والسكنات قبل البعثة. <ref> روضة الناظر : 79، وانظر : الجواهر الثمينة : 229.</ref>
<br>وتُردُّ هذه الأدلَّة بما يلي:
<br>أمَّا بطلان الصغرى، فإنَّا كثيرا ما نعلم بحالة سابقة لأمرٍ ولايحصل لنا ظنٌّ ببقائها لمجرّد ثبوتها سابقا، فضلاً عن حصول العلم، ومن المُشكل ادّعاء كون ظنّ البقاء أغلب وأرجح، فإنَّه غير مسلَّم في جميع الحالات<ref> انظر : الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 369.</ref>، وكذلك بالنسبة إلى أنَّ الباقي لايحتاج إلى مؤثّر، فإنَّه إذا كان ممكنا كان بحاجة إلى مؤثّر،  عكس ما لو كان واجب الوجود<ref> الإحكام الآمدي 3 ـ 4  : 369 ـ 370 .</ref>، أي الملازمة منتفية.
<br>وأمَّا بطلان الكبرى، أي حجّية الظنّ، فتثبت بالظنّ حتى لو سلَّمنا بالصغرى، ومن المسلَّم عندنا عدم حجّية الظنّ إلاَّ بدليل آخر يدلُّ على حجّيته، ليستثنى ممَّا دلَّ على حرمة التعبُّد بالظنّ.<ref> انظر : كشف الأسرار البخاري 3 : 667، الوافية : 200، فرائد الأصول 3 : 53 ـ 54، كفاية الأصول : 388، أصول الفقه (المظفر) 3ـ4 : 295 ـ 296، الأصول العامة للفقه المقارن : 446 ـ 447، بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 6 : 19 ـ 20.</ref> لكن بناءً على وجوب العمل بمطلق الظنّ فإنَّ هذا الدليل صحيح، كما ذهب إلى ذلك بعض [[الشافعية]]. <ref> انظر : أصول الفقه محمد أبو النور : 3 ـ 4 : 392 ـ 394.</ref> ويخرج الاستدلال بالعقل على بعض [[أقسام الاستصحاب]] عن كونه استدلالاً على أصل الاستصحاب وبمطلقه، بل على قسم أو أقسام خاصَّة.
 
===الدليل الرابع: الاستقراء===
قُرِّر هذا الدليل بأنحاء مختلفة:
<br>'''منها:''' إنَّا تتبَّعنا موارد الشكّ في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع، فلم نجد من أوّل الفقه إلى آخره موردا إلاَّ وحكم الشارع فيه بالبقاء إلاَّ مع أمارة توجب الظنّ بالخلاف. <ref> فرائد الأصول 3 : 54.</ref>
<br>'''ومنها:''' عمل الفقهاء باستصحاب الحال في كثير من المسائل، والموجب للعمل هناك موجود في موضع الخلاف، فيثبت العمل به. <ref> انظر : معارج الأصول : 207، معالم الدين : 234.</ref>
ورُدَّ هذا الاستدلال: بأنَّ الاستقراء هنا ناقص ولايمكن أن يفيد الاطمئنان الكامل، كما نوقش في أصل الأمثلة التي ذُكرت على الاستقراء كشواهد<ref> انظر : أنوار الأصول 3 : 287.</ref>، لكنَّه يصلح دليلاً على رأي مَن قال بحجّية مطلق الظن أو حجّية الاستقراء الناقص، كما ذهب إلى ذلك بعض أصوليي السنّة وبخاصة الشافعية منهم.
 
===الدليل الخامس: السيرة العقلائية ([[بناء العقلاء]])===
قرَّره الرازي بقوله: «مَن خرج من داره وترك أولاده فيها على حالة مخصوصة، كان اعتقاده لبقائهم على تلك الحالة التي تركهم عليها راجحا على اعتقاده، لتغيّر تلك الحالة ... ، بل لو تأمَّلنا لقطعنا بأنَّ أكثر مصالح العالم ومعاملات الخلق مبني على القول بالاستصحاب».<ref> المحصول الرازي 2 : 559.</ref>
<br>كما قرَّره الآمدي بقوله: «إنَّ العقلاء وأهل العرف إذا تحقّقوا وجود شيء أو عدمه وله أحكام خاصة به، فإنَّهم يسوّغون القضاء والحكم بها في المستقبل من زمان ذلك الوجود أو العدم، حتَّى أنَّهم يجيزون مراسلة مَن عرفوا وجوده قبل ذلك بمُدَد متطاولة، وإنفاذ الودائع إليه، ويشهدون في الحالة الراهنة بالدَين على مَن أقرَّ به قبل تلك الحالة، ولولا أنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان لما ساغ لهم ذلك».<ref> الإحكام 3 ـ 4 : 367 ـ 368.</ref>
<br>ورُدَّ هذا الدليل: بأنَّ ذلك لم ينشأ من ظنٍّ بالحالة السابقة وبقاء ما كان، بل لاحتمال بقائه وإصابته الغرض، وذلك من قبيل رمي الهدف بقصد الإصابة، فلا يوجد ظنّ بالإصابة، بل احتمال الإصابة، وقد تكون الإصابة أقلّ احتمالاً من عدمها. <ref> الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 369.</ref>
<br>ومن الشيعة مَن تبنَّى هذا الدليل، وعلى رأسهم [[العلاَّمة الحلّي]]<ref> نهاية الوصول 4 : 366.</ref> وتبعه الكثير، وفُسِّر: بأنَّه عبارة عن بناء العرف والعقلاء من ذوي الأديان وغيرهم على الأخذ بالحالة السابقة عند الشكّ في انتقاضها في الأمور الراجعة إلى معاشهم ومعادهم، بل قد يقال: إنَّ عليه بناء ذوي الشعور من كافة أنواع الحيوان من الوحوش والطيور ونحوهما في رجوعها إلى أوكارها ومأواها. <ref> الفصول الغروية : 369، نهاية الأفكار 4 ق1 : 33.</ref> وقد رأى بعض اعتماد نظام العالم وأساس العيش لبني آدم عليه. <ref> انظر : القوانين المحكمة : 280، الفصول الغروية : 369، فرائد الأصول 3 : 95.</ref>
<br>ذلك بمثابة المقدمة الأُولى للاستدلال، والمقدمة الثانية عبارة عن انعدام الردع من قبل الشارع على هذه السيرة، فلابدَّ من تأييده إيَّاها. <ref> انظر : أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 290 ـ 291.</ref>
<br>رُدَّت المقدمة الأولى بما يلي:
'''أولاً:''' منع بناء العقلاء تعبُّدا، بل إذا كان فهو إمَّا رجاءً أو احتياطا أو اطمئنانا بالبقاء أو ظنّا به أو غفلة، كما هو الحال في سائر الحيوانات دائما، وفي الإنسان أحيانا. <ref> كفاية الأصول : 387.</ref>
'''ثانيا:''' البناء مسلَّم في موضع يحصل لهم الظنّ بالبقاء لأجل الغلبة، واعتمادهم دائما على الغلبة سواء وافقت الحالة السابقة أو لم توافق، فلا علاقة له بالحالة السابقة. <ref> فرائد الأصول 3 : 95.</ref>
'''ثالثا:''' البناء المزبور خاص بموارد [[الشكّ في الرافع]] لا المقتضي، وعملهم هذا ليس لأجل حصول الاطمئنان بالبقاء أو لمحض رجاء البقاء، فإنَّ ذلك غير حاصل مع الشكّ فيه، بل عملهم فيه لجريان فطرتهم على ذلك، وأنَّ بقاء المتيقّن من المرتكزات في أذهان العقلاء، لكن عند الشكّ في الرافع فحسب، أي أنَّ الارتكاز العرفي يصرف البناء إلى حالة الشك في الرافع فقط. <ref> فوائد الأصول 4 : 332.</ref>
<br>وأجيب عن الأوَّل والثاني: بأنَّ المراد من بناء العقلاء ثبوت بنائهم على قاعدةٍ ما، ورغم غفلة بعضهم في العمل وفق هذه القاعدة أحيانا، إلاَّ أنَّ ذلك لايضرُّ في ثبوت البناء مع الالتفات دائما، هذا مع أنَّه لايضرُّ كذلك منشأ وسبب بنائهم على هذه القاعدة، فقد يكون الاطمئنان بالحالة السابقة وقد يكون الغلبة أو أي شيء آخر، ومن غير الضروري أن يكون بناؤهم ناشئا عن التعبُّد من قبل الشارع، فإذا أحرز الإمضاء كفى في إثبات الحجّية.
<br>نعم، قد يضرُّ باستكشاف ثبوت القاعدة لدى الشارع إذا كان منشأ البناء رجاء تحصيل الواقع؛ لأنَّها عندئذٍ لا تعدُّ قاعدة تخصُّ الحالة السابقة، بل هي عمل وفق الرجاء، وكذلك الحال فيما إذا كان منشأ عملهم الاحتياط، فإنَّ الأخير يسقط البناء كقاعدة؛ لأنَّه قد يقتضي البناء على عدم البقاء لا البقاء نفسه، إلاَّ أنَّ هذه الاحتمالات ساقطة واحتمال البناء على الرجاء والاحتياط بعيد جدا، والأقوى كونهم قد بنوا على الحالة السابقة للاطمئنان أو الظن أو التعبُّد. <ref> أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 292 ـ 293.</ref>
<br>وأجيب عن الثالث: بأنَّه على فرض صحته لاينفي أصل البناء، بل يخصُّه بحالة الشكِّ في الرفع، فالقول به يعني الذهاب إلى التفصيل في حجّية الاستصحاب، كما يقرُّ بذلك مُدّعيه ويعتبره القدر المتيقّن المستفاد من السيرة. <ref> انظر : فوائد الأصول 4 : 333 ـ 334.</ref>
<br>وقد رُدَّت المقدمة الثانية ـ وهي إمضاء الشارع للسيرة ـ بعدم إحراز رضا الشارع وإمضائه لهذا البناء، بل يكفي في الردع ما دلَّ من الكتاب والسنّة على النهي عن اتّباع غير العلم، وكذلك ما دلَّ على البراءة والاحتياط في الشبهات. <ref> كفاية الأصول : 387.</ref>
<br>إلاَّ أنَّ هذا الردَّ بالآيات والروايات، مدفوع بكون المراد منها النهي عن اتّباع غير العلم ـ الذي يراد به إثبات الواقع ـ بينما لايراد من الاستصحاب إثبات الواقع، بل يراد منه تحديد الوظيفة العملية<ref> أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 294.</ref>، أو يراد من الظنّ هنا الظنون الواهية والخيالية والتخرُّصات الناشئة عن الأهواء النفسية التي لا أساس لها، ويشهد على ذلك ثلاثة أمور:
<br>1 ـ ورودها في المشركين وفي مقام نقد عبادتهم الأصنامَ التي اعتمدت في الأصل الأوهام والخيالات.
<br>2 ـ لو كان المراد منها مطلق الظنِّ للَزِم التخصيص بها لمطلق موارد الظنِّ، مثل العمل بالظواهر وخبر الواحد، مع أنَّ لحنها آبٍ عن هذا التخصيص.
<br>3 ـ الظاهر ورودها في أصول الدين والمسائل الاعتقادية، فلا تشمل الفروع. <ref> أنوار الأصول 3 : 284.</ref>
<br>وبالنسبة إلى أدلَّة البراءة والاحتياط فتعدُّ في عرض أدلَّة الاستصحاب، وموضوع كلٍّ منهما هو الشكُّ فلا تصلح للردع، بل [[أدلَّة الاستصحاب]] تقدَّم على [[أدلَّة الاحتياط]] والبراءة؛ لما فيها من جانب الكشف والإحراز. <ref> أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 294.</ref>
 
==القول الثاني: عدم حجّيته مطلقا==
الأدلَّة التالية استدلَّ بها، أو يمكن أن يستدلَّ بها على نفي حجّية الاستصحاب مطلقا:
 
===الدليل الأوَّل: عدم الدليل على الإثبات===
علاء الدين البخاري بعد ما يذكر أدلَّة القائلين بالاستصحاب يقول: «لم يدلّ شيء منها على بقاء الحكم بعد الثبوت، فكان العمل بالاستصحاب عملاً بلا دليل، وكيف يجعل حجّة لإبقاء ما كان على ما كان، والبقاء لايضاف إلى الدليل الموجب، بل حكمه الثبوت لا غير».<ref> كشف الأسرار 3 : 665، 668.</ref>
وبرغم أنّه لم ترد عبارة صريحة عن السيد المرتضى في ردّ الاستصحاب، إلاّ أنّه بعد ما يذكر  أمثلة فقهية تحتمل ابتناء أحكامها على الاستصحاب يردّها ويرجع أدلّتها إلى أدلَّة أخرى غير الاستصحاب. <ref> الذريعة 2 : 829 ـ 833 .</ref>
 
===الدليل الثاني: الآيات والروايات الناهية عن العمل بالظنّ===
هناك آيات وروايات نهت عن العمل بالظنّ، وهي من قبيل: '''«إنَّ الظنَّ لايغني من الحق شيئا»''' <ref> النجم : 28.</ref>، وقول المعصوم عليه‏السلام: «الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»<ref> الكافي 1 : 68 كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث ح10، من لايحضره الفقيه 3 : 9 أبواب القضايا والأحكام ، باب 9 الاتفاق على عدلين في الحكومة ح2.</ref>، و«... المؤمنون وقَّافون عند الشبهات»<ref> نيل الأوطار 8 : 271، عون المعبود 13  : 185 .</ref>، وباعتبار أنَّ أقصى ما يثبت [[الاستصحاب]] هو الظنّ، وهو منهيٌّ عنه بهذه الآيات والروايات، ولا دليل على حجّية مثله، وأنَّه لايجوز إثبات المسائل الأصولية بـ: [[أخبار الآحاد]]. <ref> انظر : القوانين المحكمة : 285.</ref>
 
===الدليل الثالث: لزوم التوقُّف في مجهول الحكم===
ورد هذا الاستدلال عن البحراني، إذ قال في ردّ الاحتجاج بالاستصحاب: «إنَّ هذا الموضع من المواضع غير المعلوم حكمه تعالى فيها في غير ما دلَّت عليه النصوص، وقد تواترت الأخبار في مثل ذلك بوجوب التوقُّف والاحتياط».<ref> الحدائق الناضرة 1 : 55.</ref>
 
===الدليل الرابع: عدم القطع ببقاء الحالة السابقة===
وهذا الدليل يعني أنَّ طروَّ الشكِّ على الحالة السابقة لم يبقِ قطعا ويقينا لدينا ببقائها، ولو بقي هكذا يقين لَلَزِم القطع بعدم خروج زيد من الدار إذا  علمنا بوجوده فيها ولم نعلم بخروجه إلاَّ بدليل  متجدِّد، ولو كان الاستصحاب حجة لَلَزِم القطع ببقاء زيد. <ref> انظر : الذريعة 2 : 832 .</ref>
<br>رُدَّ هذا: بأنَّ القائلين بالاستصحاب لايدَّعون القطع، لكنَّهم يدَّعون رجحان الاعتقاد ببقائها، وهذا كافٍ في العمل به. <ref> معارج الأصول : 209.</ref>
 
===الدليل الخامس: استلزام الحجّية تقديم بيِّنة النافي===
وهذا الدليل يعني أنَّ لازم القول بحجّية الاستصحاب تقديم بيِّنة النافي على بيِّنة المُثبت؛ لكونها معتضدة باستصحاب النفي، مع أنَّ الواقع غير ذلك، بل [[الإجماع]] قائم على تقديم بيِّنة الإثبات على بيِّنة النفي. <ref> الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 370، وانظر : فرائد الأصول 3 : 101.</ref>
<br>رُدَّ هذا بمنع الملازمة لوجوه:
<br>'''الأوَّل:''' أنَّها تصحُّ فيما إذا حصل الظنّ بكلا البيِّنتين وكان الاستصحاب مؤيدا لأحدهما، مع أنَّ الظنّ لايحصل إلاَّ ببيِّنة المُثبت؛ لأنَّه من المستبعد أن يُظنَّ المعدوم موجودا بينما لايستبعد أن يظنَّ الموجود معدوما.
<br>'''الثاني:''' المُثبت يدَّعي العلم بالوجود بالطرق القطعية، بينما النافي يدَّعي عدم العلم الظنّي، والنفس تميل إلى دفع غير الملائم أكثر من جلب الملائم. <ref> شرح مختصر المنتهى 3 : 564، وانظر : الاستصحاب كوثراني : 132.</ref>. أو إنَّما كان ذلك لعدم اطّلاع النافي عليه،  وإمكان حدوث المُثبت حالة غيبة النافي وتعذّر صحبة النافي للمورد دائما واطّلاعه عليه في سائر الأوقات. <ref> الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 373، وانظر : الاستصحاب (كوثراني) : 132.</ref>
 
===الدليل السادس: تقديم القياس على الأصل===
مع جواز القياس ينتفي الرجوع إلى الأصل، والقياس يرفع حكم الأصل.
يرد عليه:
<br>'''أولاً:''' أنَّ الفرض في العمل بالاستصحاب هو مع انتفاء الأدلَّة التي تسبق [[الاستصحاب]] في المكانة بعد الفحص، ولا مجال لإعمال الاستصحاب مع وجود هكذا أدلَّة.
<br>'''ثانيا:''' مجرَّد احتمال وجود قياس رافع ودليل ينفي موضوع الاستصحاب لاينافي ولايضرُّ بحجّيته المظنونة. <ref> شرح مختصر المنتهى 3 : 564 ـ 565، وانظر : الاستصحاب كوثراني : 133.</ref>
 
===الدليل السابع: التمسك بالاستصحاب يؤدي إلى التعارض===
إنَّ التمسّك بالاستصحاب يؤدّي إلى التعارض في الأدلَّة، فإنَّ مَن استصحب حكما من صحة فعلٍ له وسقوط فرض، كان لخصمه أن يستصحب خلافه في مقابلته، كما لو قيل: إنَّ المتيمّم إذا رأى الماء قبل صلاته وجب عليه التوضؤ، فكذلك إذا رآه بعد دخوله في الصلاة باستصحاب ذلك الوجوب، أمكن أن يعارض بأنَّ الإجماع قد انعقد على صحة شروعه في الصلاة وانعقاد الإحرام، وقد وقع الاشتباه في بقائه بعد رؤية الماء في الصلاة، فيحكم ببقائه بطريق الاستصحاب، وما أدَّى إلى مثل هذا كان باطلاً. <ref> كشف الأسرار البخاري 3 : 665 ـ 666.</ref>
رُدَّ هذا بما يلي:
<br>'''أولاً:''' هذا التعارض في المثال واضح، لكنَّه من نوع التعارض البدوي؛ لأنَّ وجوب الوضوء عليه في المثال الأوَّل إنَّما هو بحكم الاستصحاب التعليقي كما يدلُّ عليه مفاد الشرط بقوله: (إذا رأى...) وعدم وجوبه في المثال الثاني بالاستصحاب التنجيزي، والاستصحاب التنجيزي مقدَّم على الاستصحاب التعليقي، على ما هو التحقيق في ذلك.
<br>'''ثانيا:''' التعارض المزبور لايفترض في جميع صور الاستصحاب، فالدليل ـ  لو تمَّ  ـ أضيق من المدَّعى. <ref> الاستصحاب كوثراني : 134.</ref>
 
==القول الثالث: التفصيل بين العدمي والوجودي==
وهذا القول يقضي باعتبار الاستصحاب في الأمر العدمي وعدم اعتباره في الوجودي، استظهره التفتازاني من عبارة العضدي<ref> شرح مختصر المنتهى 3 : 563.</ref>، إذ قال: «إنَّ خلاف الحنفية المنكرين للاستصحاب إنَّما هو في الإثبات دون النفي الأصلي».<ref> حاشية التفتازاني 3 : 565.</ref>
<br>وقد استدلَّ على هذا الرأي: بأنَّ النفي ليس كالإثبات، فالأخير بحاجة إلى دليل يثبته، بينما النفي والعدم لا حاجة إلى ما يثبته؛ لأنّه لو كان لقامت دلالة عليه، ولم تقم، فلابدَّ وأنَّه غير ثابت، ولهذا ننفي وجوب صلاة سادسة وصيام زائد على شهر رمضان. وباعتبار أنَّ العدميات غير متناهية والوجوديات متناهية، فإنَّ حاجتنا إلى الدليل لإثبات العدميات تقتضي إثبات اللامتناهي، وليس كذلك الحال في الوجوديات. <ref> الذريعة 2 : 834 ـ 836 ، وانظر : المستصفى 1 : 237، أعلام الموقّعين 1 : 339.</ref>
<br>رُدَّ هذا الرأي بأمور:
<br>'''أولاً:''' أنَّ القول باعتبار الاستصحاب في العدميات يغنينا عن الكلام باعتباره في الوجوديات؛ باعتبار أنَّ  الاستصحاب في الوجودي يتزامن دائما مع استصحاب عدمي، فإنَّ إثبات شيء يستلزم نفي ضدّه، فإثبات الطهارة يستلزم عدم النجاسة وإثبات الحياة يستلزم نفي الموت وعدمه، والظن بالأعدام المزبورة لاينفك عن الظنّ ببقاء الموجودات المضادة، فإذا قيل باعتبار أحدها لا بدَّ من القول باعتبار مضادها كذلك. <ref> فرائد الأصول 3 : 111.</ref>
<br>'''ثانيا:''' الأدلَّة الواردة على الاستصحاب وبخاصة الأخبار مطلقة أو عامة، ولم تقيّد بالعدميات أو الوجوديّات، فقد ورد فيها: «لاتنقض اليقين بالشكّ» وهذا واضح في الإطلاق. <ref> الاستصحاب كوثراني : 143.</ref>
<br>'''ثالثا:''' لا تفاوت في المستصحب أو الأثر المترتب عليه بين ما إذا كان أمرا وجوديا أو عدميا، فالتكاليف عموما بيد الشارع، فإذا كان نفي التكليف بيد الشارع، فلابدَّ من كون إثباته كذلك، ونسبتهما إلى المشرِّع واحدة. <ref> مباني الاستنباط 4 : 183، الاستصحاب الكوثراني : 143.</ref> .
 
==القول الرابع: التفصيل بين الأحكام الشرعية والأمور الخارجية==
أو التفصيل بين [[الشبهة الحكمية]] و [[الشبهة الموضوعية]]؛ وهذا القول يذهب إلى حجّية الاستصحاب في [[الأحكام الشرعية]] وعدم حجيّته في الأمور الخارجية، ونسب إلى جماعة<ref> انظر : شرح الوافية : 339، فرائد الأصول 3 : 35، 111.</ref>. واستظهره كذلك المحقّق القمي من السبزواري من: أنّ الأخبار لايظهر شمولها للأمور الخارجية ـ  مثل رطوبة الثوب ونحوها  ـ إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الذي ليس حكما شرعيا، وإن كان يمكن أن يصير منشأً لحكم شرعي. <ref> القوانين المحكمة : 285، وانظر : ذخيرة المعاد : 115 ـ 116.</ref>
<br>رُدَّ هذا بإطلاق الأدلَّة وشمولها للأحكام والأمور الخارجية، فإنَّ عدم جواز نقض اليقين بالشكّ كما يرجع إلى الطهارة عن الحدث والخبث، يرجع كذلك  إلى عدم النجاسة وعدم وصول النجس وعدم حصول ما يوجب الحدث كالنوم. هذا مضافا إلى أنَّ  بعض الروايات وردت في أمور خارجية مثل الثوب. <ref> انظر : القوانين المحكمة : 286، فرائد الأصول 3 : 111 ـ 115، الاستصحاب كوثراني : 146.</ref>
 
==القول الخامس: التفصيل بين الحكم الشرعي الكلّي وغيره==
بناءً على هذا الرأي لايعتبر [[الاستصحاب]] في الحكم الكلّي ويعتبر في غيره، فيجري في موارد الشكّ بالشبهات الموضوعية ولايجري في الأحكام الكلّية، سواء أكانت وضعية أم تكليفية، واستثنوا منها  استصحاب عدم النسخ، بدعوى قيام الإجماع أو  لضرورة في اعتبار العمل بالاستصحاب في أحكام  اللّه‏.
وهو اختيار<ref> آراؤنا في أصول الفقه 3: 26 ـ 27، الاستصحاب كوثراني: 147.</ref> بعض الأخباريين كـ: [[المحدّث الأسترآبادي]]. <ref> الفوائد المدنية : 284 ـ 289 وانظر : الوافية : 212 ـ 213.</ref>
<br>استدلَّ على هذا الرأي بدليلين:
<br>'''الأوَّل:''' عدم شمول أدلَّة الاستصحاب للحكم الكلّي.
<br>'''الثاني:''' لا حاجة للعمل بالاستصحاب؛ باعتبار أنَّ ما من واقعة إلاَّ ولها حكم.
يردُّ الدليل الأوَّل بما تقدَّم: من كون أدلَّة الاستصحاب عامة ولا دليل على تخصيصها أو صرفها عن الحكم الكلّي. <ref> الاستصحاب كوثراني : 147 ـ 148.</ref>
ويردُّ الدليل الثاني: بأنَّ الفرض في العمل بالاستصحاب هو عدم العثور على دليل كاشف عن الحكم في الواقعة المراد إجراء الاستصحاب فيها. <ref> المصدر السابق : 148.</ref>
<br>أشكل على إجراء الاستصحاب في الحكم الكلّي باعتبار أنَّ الشكَّ في بقاء الحكم يرجع إلى الشكّ في بقاء موضوعه، من حيث احتمال حصول بعض التغييرات حدوثا أو بقاءً، ولو كنّا على يقين من عدم تغيّر الموضوع فلا شكَّ في بقاء الموضوع وما تخلَّف الحكم عن الموضوع.
<br>رُدَّ هذا الإشكال بما يلي:
'''أولاً:''' عدم الفرق بين استصحاب الحكم الكلّي وبين استصحاب الموضوعات الخارجية.
'''ثانيا:''' أنَّ النظرة العرفية للموضوع كافية، ولم تفرض النظرة الدقيقة، والعرف يرى اتحاد الموضوع في الزمنين، ولايفرّق بين الموارد المزبورة. <ref> فرائد الأصول 3 : 119 ـ 120، كفاية الاصول : 385 ـ 386.</ref>
 
=====رأي السيّد الخوئي=====
[[السيّد الخوئي]] ممَّن ذهب إلى هذا القول، لكنَّه ألحق الأحكام الترخيصية بالموضوعات الخارجية، ولم يرَ مانعا من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الوضعية كالطهارة من الخبث والحدث، ولأجل بيان رأيه: قسَّم الشكّ في بقاء الحكم باعتبار منشئه إلى الأقسام الثلاثة التالية:
<br>1 ـ الشكّ الناشئ عن الشكّ في أصل الجعل من حيث السعة والضيق، كالشكّ في الحكم من حيث شموله لجميع الأزمنة أو تقييده ببعضها. واستصحاب بقاء الحكم في هذه الحالة معارض باستصحاب العدم الأزلي، فكما يصحُّ استصحاب بقاء الوجوب، باعتبار أنَّ الجعل أمر حادث، يصحّ استصحاب بقاء عدم الجعل كذلك.
<br>2 ـ الشكّ الناشئ عن الشكّ في المجعول بعد العلم بأنَّ أصل الجعل شامل وغير محدّد بزمان، وهذا الشكّ يرجع في حقيقته إلى الشكّ في كيفية جعل الحكم من حيث إطلاق المجعول أو اختصاصه بزمان أو موضوع ما، وهو من قبيل الشكّ في أنَّ نجاسة الماء المتغيّر مختصة بحال تغيّره، أو أنَّها تعمُّ حال زوال تغيّره بنفسه أيضا، مع القطع بأنَّ نجاسة الماء المتغيّر غير مختصة بزمان.
<br>وفي هذه الصورة، إذا كان الفرد المشكوك مغايرا للفرد المتيقَّن بنظر العرف فلا يجري الاستصحاب؛ لعدم تمامية أركانه.
<br>3 ـ الشكّ الناشئ عن اشتباه الأمور الخارجية، من قبيل الشكّ في بقاء وجوب الإمساك في شهر رمضان بسبب الشكّ في بقاء النهار، فاستصحاب بقاء وجوب الإمساك معارض باستصحاب العدم الأزلي، ولا بأس باستصحاب بقاء النهار، والحكم ببقاء وجوب الإمساك؛ لأنَّ موضوعه محرز بالتعبُّد، وهو استصحاب موضوعي لا إشكال فيه.
<br>أمَّا الأحكام الترخيصية مثل الإباحة، فلا مانع من استصحابها؛ لعدم جريان استصحاب العدم الأزلي فيها لكي يكون معارضا، فإنَّها متوافقة مع استصحاب العدم في رفع التكليف، وهي لا تحتاج إلى بيان؛ باعتبار أنَّ مطلق الأشياء قبل الشريعة كانت مرفوعة، عكس المحرّمات، فهي تحتاج إلى بيان. <ref> انظر: مصباح الأصول 3: 36 ـ 47، مباني الاستنباط 4: 67 ـ 76.</ref>
<br>أورد عليه ما يلي:
'''أولاً: أنَّ هذا ليس تفصيلاً في الاستصحاب، وذلك لعدم صدق مفهوم الاستصحاب على الصور المزبورة، لفقدها بعض أركانه، أي اليقين السابق أو الشكّ اللاحق.
'''ثانيا:''' لا وجه للتفريق بين الأحكام المزبورة، بعد فرض أنَّ جميعها بيد الشارع وضعا ورفعا. <ref> انظر : بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 127 ـ 151، مباني الاستنباط 4 : 89 ـ 90، الاستصحاب (كوثراني) : 150.</ref>
 
==القول السادس: التفصيل بين الحكم الجزئي وغيره==
من غير المعلوم أن يكون لهذا الرأي قائل، لكن ربَّما يستظهر من كلام المحقّق الخوانساري على ما حكاه السيّد في (شرح الوافية) <ref> شرح الوافية : 339، وانظر : فرائد الأصول 3 : 49 ـ 50.</ref>. وعلى فرض وجود قائل به، فإنَّ أدلَّته لا تخلو أن تكون نفس أدلَّة التفصيل بين الحكم الشرعي الكلّي وبين غيره، أو أدلَّة التفصيل بين الأمور الخارجية وغيرها، فراجع. <ref> انظر : فرائد الأصول 3 : 121.</ref>
 
==القول السابع: التفصيل بين الحكم التكليفي والوضعي==
وهو القول بجريان الاستصحاب في [[الأحكام الوضعية]] دون التكليفية. ذهب إلى هذا الرأي الفاضل التوني وقدَّم إليه مقدَّمات.
<br>قسَّم الفاضل التوني الحكم إلى ستة أقسام هي: الأحكام الاقتضائية، المطلوب فيها الفعل (الواجب والمندوب)، والمطلوب فيها الترك والكفّ (الحرام والمكروه)، والتخييرية (الإباحة) و(الوضعية).
<br>ثمَّ استدلَّ على رأيه بأنَّ الأمر والطلب إذا كان مؤقتا، فإنَّ ثبوت الندب أو الوجوب في كلِّ جزء من أجزاء الوقت ثابتا بنفس الطلب والأمر، وإثباته في الزمان الثاني بحاجة إلى نصٍّ لا باستصحاب نفس الطلب والأمر الأوَّل، وإذا لم يكن مؤقتا فبحاجة إلى نصٍّ كذلك إذا دلَّ الأمر على التكرار، وإلاَّ فذمّته تكون مشغولة حتَّى يأتي به في أيّ زمان كان، ونسبة أجزاء الزمان إليه نسبة واحدة في كونه أداءً في جميعها. وهذا أيضا لا مورد للاستصحاب فيه، ولم يكن من قبيل تطبيق الاستصحاب.
<br>ولايمكن القول بأنَّ إثبات الحكم في القسم خارج وقته من موارد تطبيق الاستصحاب، فإنَّ هذا لايجوز إجماعا، ولم يقل به أحد.
<br>وكذا الكلام في النهي الحرام والمكروه، فهو أولى بعدم توهُّم إجراء الاستصحاب فيه؛ لأنَّ مطلقه لايفيد التكرار، وكذلك حال التخييري، والاستصحاب لايتصوَّر فيها.
<br>أمَّا [[الأحكام الوضعية]] وهي السببية والشرطية والمانعية، فينبغي النظر في كيفيتها ما إذا كانت مطلقة دون تقييد بزمان ـ  كالإيجاب والقبول  ـ أو مقيّدة بوقت معيَّن ـ  كالدلوك سببا للصلاة وكذا الكسوف  ـ إذ في الأخير يكون السبب وقتا للحكم.
ثمَّ يقول: فظهر ممَّا مرَّ أنَّ الاستصحاب المختلف فيه لايكون إلاَّ في [[الأحكام الوضعية]]. <ref> الوافية : 200 ـ 202.</ref>
<br>بالطبع لاينفي وقوع الاستصحاب في [[الأحكام التكليفيه]]، لكنه يرجعه إلى الاستصحاب في الأحكام الوضعية، حيث يقول: «ووقوعه في [[الأحكام الخمسة]] إنّما هو بتبعيّتها، كما يقال في ماء الكرّ المتغيّر بالنجاسة إذا زال تغيُّره من قبل نفسه: بأنّه يجب الاجتناب عنه في الصلاة؛ لوجوبه قبل زوال تغيُّره، فإنّ مرجعه إلى أنّ النجاسة كانت ثابتة قبل زوال تغيُّره، فتكون كذلك بعده، ويقال في المتيمِّم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة: إنّ صلاته كانت صحيحة قبل الوجدان، فكذا بعده، أي كان مكلّفا ومأمورا بالصلاة بتيمّمه قبله، فكذا بعده، فإنّ مرجعه إلى أنّه كان متطهّرا قبل وجدان الماء، فكذا بعده، والطهارة من الشروط».<ref> المصدر السابق : 202 ـ 203.</ref>
<br>رُدَّ بالأمور التالية:
<br>'''أولاً:''' المحقّق العراقي يرجع تفصيله إلى تخيُّل أنَّ [[الأحكام الوضعية]] أمور عقلية انتزاعية، لاتكون بنفسها أثرا مجعولاً ولا موضوعا لأثر كذلك حتَّى يجري فيها الاستصحاب، أي أنّها ليست من الأمور المجعولة بيد الشارع مباشرةً، فيمكن استصحاب بقائها، وهذا التخيُّل فاسد، فإنَّها قد تكون مجعولة وقد تكون موضوعا لأثر مجعول. <ref> نهاية الأفكار 4 ق1 : 87 .</ref>
<br>'''ثانياً:''' قصر حجّية الاستصحاب على الأحكام الوضعية دعوى دون برهان، ولم يأتِ الفاضل التوني ببرهان عليه، مع أنَّ أدلَّة الاستصحاب عامة وليس هناك ما يدلُّ على تقييدها أو صرفها عن الأحكام التكليفية. <ref> المصدر السابق.</ref>
<br>'''ثالثاً:''' التحقيق يثبت أنَّ الأحكام الوضعية غير محدودة بالثلاثة (الأسباب والشرائط والموانع) التي ذكرها، بل هي أكثر بكثير، مثل الصحة والفساد والرخصة والعزيمة. <ref> فوائد الأصول 4 : 384 ـ 387.</ref>
وهناك إشكالات أخرى أطال فيها [[الشيخ الأنصاري]]. <ref> انظر : فرائد الأصول 3 : 121 ـ 148.</ref>
 
==القول الثامن: التفصيل بين ما ثبت بالإجماع وبين غيره==
وهو القول بحجّية الاستصحاب في الموارد الثابتة بغير الإجماع، وعدم حجّيته في الموارد الثابتة بالإجماع، وشأن الاستصحاب هنا يرجع إلى الحكم الشرعي، بأن يتفَّق على حكم في حالة ثمَّ تتغيَّر صفة المجمع عليه، فيختلفون فيه، فيستدلّ مَن لم يغيّر الحكم باستصحاب الحال. <ref> البحر المحيط 6 : 21، إرشاد الفحول 2 : 257.</ref>
ذهب الأكثرون [أي من الشافعية] منهم: القاضي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصبَّاغ، والغزالي إلى أنَّه ليس حجّة. <ref> البحر المحيط 6 : 22، إرشاد الفحول 2 : 258 وانظر : التبصرة : 526، المستصفى 1 : 239.</ref> وقال الأستاذ أبو منصور: وهو قول جمهور أهل الحق من الطوائف، وقال الماوردي والروياني في كتاب القضاء: إنَّه قول الشافعي وجمهور العلماء. <ref> نقله قولهما الزركشي في البحر المحيط 6 : 22، والشوكاني في إرشاد الفحول 2 : 258.</ref>
<br>وحجّة هؤلاء: أنَّ الإجماع إنَّما كان على الصفة التي كانت قبل محلّ النزاع، كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة، فأمَّا بعد الرؤية فلا إجماع، فليس هناك ما يستصحب... وقال آخرون: الحكم ثبت بالإجماع وقد زال الإجماع، فالمفروض زوال الحكم كذلك، وإثباته يكون بلا دليل. <ref> أعلام الموقّعين 1 : 341 ـ 342.</ref>
<br>رُدَّ هذا: بأنَّ المتبدِّل هنا هو حال المحلّ المجمع على حُكمه أولاً كتبدُّل زمانه ومكانه وشخصه، وتبدُّل هذه الأمور وتغيّرها لايمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبدُّل، فكذلك تبدُّل وصفه وحاله لايمنع الاستصحاب حتَّى يقوم دليل على أنَّ الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلاً للحُكم مثبتا لضدّه، كجعل تخليل الخمرة ناقلاً للحُكم بتحريمها. <ref> أعلام الموقّعين 1 : 343، وانظر : أصول الفقه الإسلامي الزحيلي 2 : 866 .</ref>
<br>الغزالي مثَّل لهذا الرأي بالمتيمِّم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة، فإنّه يمضي فيها؛ لأنَّ [[الإجماع]] منعقد على صحة صلاته ودوامها... فنحن نستصحب دوام الصلاة إلى أن يدلَّ دليل على كون رؤية الماء قاطعا للصلاة.
<br>واعتبر هذا فاسدا مستدلاًّ على رأيه بقوله: لأنَّ هذا [[المستصحب]] لايخلو إمَّا أن يقرّ بأنَّه لم يقم دليلاً في المسألة لكن قال: أنا نافٍ ولا دليل على النافي، وإمَّا أن يظنَّ أنَّه أقام دليلاً، فإن أقرَّ بأنَّه لم يدلّ فسنبيِّن وجوب الدليل على النافي، وإن ظنَّ أنَّه أقام دليلاً فقد أخطأ، فإنَّا نقول: إنَّما يستدام الحُكم الذي دلَّ الدليل على دوامه، فالدليل على دوام الصلاة ههنا لفظ الشارع أو إجماع، فإن كان لفظا فلا بدَّ من بيان ذلك اللفظ، فلعلّه يدلّ على دوامها عند العدم لا عند الوجود، فإن دلَّ بعمومه على دوامها عند العدم والوجود جميعا كان ذلك تمسكا بالعموم عند القائلين به، فيجب إظهار دليل التخصيص. وإن كان بإجماع فالإجماع منعقد على دوام الصلاة عند العدم، أمَّا حال الوجود فهو مختلف فيه، ولا إجماع مع الخلاف، ولو كان [[الإجماع]] شاملاً حال الوجود لكان المخالف خارقا للإجماع. <ref> المستصفى 1 : 239 ـ 241، وانظر : كتاب التلخيص في أصول الفقه 3 : 132 ـ 134، روضة الناظر : 80 ـ 81 .</ref>
<br>رُدَّ هذا بالأمور التالية:
<br>'''أولاً:''' ما ذكر من وجه في عدم جريان الاستصحاب في محلّ الإجماع جارٍ في بعض الصور في غير الإجماع، فإنَّه إذا ورد النصّ على وجه يكون ساكتا بالنسبة إلى ما بعد الحالة الأولى ـ  كما إذا ورد أنَّ الماء ينجس بالتغيّر  ـ مع فرض عدم إشعار فيه بحكم ما بعد زوال التغيُّر، فإنَّ وجود هذا الدليل ـ  بوصف كونه دليلاً  ـ مقطوع العدم في الحالة الثانية، كما في الإجماع. <ref> فرائد الأصول 3 : 155 ـ 156.</ref>
<br>'''ثانيا:''' أدلَّة حجّية الاستصحاب مطلقة ولم تفرّق بين ما ثبت بالإجماع وغيره. <ref> المصدر السابق : 157.</ref>
<br>'''ثالثا:''' بعض الأمثلة التي ذكرها مثل الغزالي في المورد ليست من موارد الاستصحاب، وتفتقد بعض أركانه من قبيل الشك. <ref> الاستصحاب كوثراني : 165 ـ 166.</ref>
 
==القول التاسع: التفصيل بين الشكّ في المقتضي والرافع==
ذهب إلى هذا الرأي [[المحقّق الحلّي]] <ref> معارج الأصول  : 206 ـ 207 .</ref>، والخوانساري<ref> مشارق الشموس : 76.</ref>، وقوَّاه الشيخ الأنصاري. <ref> فرائد الأصول 3 : 51، 159 ـ 160.</ref>
<br>استدلَّ المحقّق على رأيه بما يلي:
<br>ينبغي النظر في الدليل المقتضي للحكم، فإن كان يقتضي الحكم على الإطلاق وجب الحكم باستمرار الحكم، مثل عقد النكاح الذي يقتضي الاستمرار مطلقا، فإذا شككنا فيما يوجب الطلاق من الألفاظ كقوله: (أنتِ خلية أو بريّة) استصحبنا عقد النكاح لشكّنا في رافعية الألفاظ المزبورة، مع أنَّ وقوع العقد اقتضى حِلّ الوط‏ء غير مقيّد بزمان، فلزم دوام الحِلّ، فيجب استمراره حتَّى يثبت الرافع. <ref> معارج الأصول : 209 ـ 210.</ref>
<br>رُدَّ هذا الدليل: بأنَّ الحكم بوجود شيء لايتمُّ إلاَّ إذا علمنا بعلّته التامة والتي يعدُّ عدم الرافع من أجزائها، وعدم العلم بعدم الرافع يؤدّي إلى عدم العلم بالعلّة التامّة إلاَّ إذا عبَّدنا الشارع بالحكم بالعدم عند عدم العلم، وهذا عين الكلام في أصل الاستصحاب لا في التفصيل المزبور. <ref> فرائد الأصول 3 : 160.</ref>
<br>فصَّل الشيخ الأنصاري هذا القول وأخرجه عن الإجمال، وفسَّر الشكّ من جهة المقتضي بالشكّ من حيث استعداد المستصحب وقابليته في ذاته للبقاء، كالشكّ في بقاء الليل والنهار وخيار الغبن بعد الزمان الأوَّل.
<br>ويتحقَّق الشكّ في الرافع مع القطع باستعداد المستصحب للبقاء، وهو من قبيل الشكّ في حدوث البول. وقد يكون في رافعية الموجود، إمَّا لعدم تعيّن المستصحب وتردّده بين ما يكون الموجود رافعا، وبين ما لايكون كأداء صلاة الظهر المشكوك كونه رافعا لشغل الذمة بالصلاة المكلَّف بها قبل العصر يوم الجمعة من جهة تردُّده بين الظهر والجمعة، وإمَّا للجهل بصفة الموجود من كونه رافعا كالمذي، أو مصداقا لرافع معلوم المفهوم كالرطوبة المردَّدة بين البول والودي أو مجهول المفهوم. <ref> المصدر السابق : 46 ـ 47.</ref>
وبذلك لا حاجة للإطالة في ذكر الاحتمالات الواردة في تفسير كلام الشيخ الأنصاري من المقتضي، وذكر الاحتمالات الواردة هنا، والتي قد تكون أجنبية عن المراد<ref> أنوار الأصول 3 : 317.</ref>، كما فعل بعض. <ref> انظر : فوائد الأصول 4 : 314 ـ 316، دراسات في علم الأصول الخوئي 4 : 47 ـ 49.</ref>
استدلَّ الشيخ الأنصاري على رأيه بدليل آخر اعتمد على مفردة «النقض» الواردة في بعض الروايات، فقد استظهر منها: أنَّ النقض يعني رفع الهيئة الاتصالية أو رفع الأمر المستمر وقطع الشيء المستمر، فلابدَّ أن يكون ما ينقض أو المتعلّق له قابلية الاستمرار، وبما أنَّ اليقين نفسه وأوصافه تنتقض من قبل المكلَّف دون اختيار فلا يقع حيّزا للتحريم، فلا بدَّ أن يكون المراد ـ  بدلالة الاقتضاء  ـ الأحكام الثابتة للمتيقّن بواسطة اليقين.
ثمَّ يتأمَّل الشيخ في جريان هذا المعنى في المستصحب العدمي. <ref> فرائد الأصول 3 : 160.</ref>
<br>وقد رُدَّ هذا الدليل بما يلي:
<br>'''الأوّل:''' بالنقض، باعتبار أنَّ عدم جريان الاستصحاب في موارد الشكّ في المقتضي يستلزم القول بعدم جريانه في موارد الشكّ في النسخ، من حيث عدم علمنا عندئذٍ بالجعل ما إذا كان موسّعا شاملاً لجميع الأزمنة أو غير شامل ولا موسّع، كما يستلزم عدم جريانه في الموضوعات الخارجية، من حيث عدم علمنا بقابليتها للبقاء إلى الأبد فإنَّها غير منضبطة من هذه الحيثية، كما يستلزم عدم جريانه في موارد الشكّ في حصول الغاية حتَّى من جهة الشبهة الموضوعية؛ لأنَّ الشكَّ فيها يرجع إلى الشكّ في المقتضي، فإنَّ الشكَّ في وقت أداء صلاة الصبح عند الشكّ في طلوع الشمس يعود إلى الشكّ في قابلية الوقت للامتداد أكثر من ساعة أو ما شابه. مع أنَّ الذين يذهبون إلى هذا القول لايقرّون بهذه اللوازم. <ref> مباني الاستنباط 4 : 61 ـ 63.</ref>
<br>'''الثاني:''' بالحلّ، باعتبار أنَّ الدقة الفلسفية إذا كانت هي الملاك في صدق نقض اليقين بالشكّ فينبغي تعطيل الاستصحاب بالكلّية، بدليل أنَّ اليقين غير موجود حال الشكّ في موارد الاستصحاب إلاَّ بالإضافة إلى ما قبل زمان الشكّ. وإن كان النظر العرفي هو الملاك في صدق النقض، فلا داعي لاختصاصه بموارد الشكّ في الرافع، مع أنَّ تطبيقات الاستصحاب في الروايات تفيد كون النظر العرفي هو الملاك. <ref> المصدر السابق : 63 ـ 64.</ref>
<br>'''الثالث:''' تفسير الشيخ الأنصاري النقض برفع الهيئة الاتصالية يخالف معناه لغةً، وهو إفساد المبرم، ويقابله الإبرام، وتفسير الشيخ يقابله الانفصال. <ref> أصول الفقه المظفر 3ـ4 : 320، بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 6 : 158، مباحث الأصول (الصدر) 5 ق2 : 232.</ref>
<br>'''الرابع:''' هذا الرأي يستدعي التصرّف في اليقين الوارد في الروايات والقول بإرادة المتيقّن منه، كما يقرُّ الشيخ نفسه بذلك واعتباره اليقين ونقضه غير اختياري، مع أنَّه من غير الصحيح استعمال اليقين وإرادة المتيقّن منه على نحو الإسناد اللفظي إلاَّ من باب المجاز أو حذف المضاف، والأخيران بعيدان كلّ البعد؛ باعتبار انعدام العلاقة المصحِّحة للاستخدام المجازي بين المفردتين، وتقدير المضاف بحاجة إلى قرينة، وهي منعدمة هنا. <ref> أصول الفقه المظفر 3ـ4 : 320 ـ 321.</ref>
<br>وقد يُردُّ هذا بما ورد عن الآخوند الخراساني من أنَّ اليقين وإن استعمل في معناه الحقيقي لكن إسناد النقض إليه بلحاظ المتيقّن لا اليقين نفسه، وذلك من باب أنَّ عنوان اليقين من العناوين الآلية المرآتية ذات الإضافة، فإنَّ مصاديقه مرآة لمصاديق المتيقّن. <ref> كفاية الأصول : 391 ـ 392.</ref>
<br>إلاَّ أنَّ هذا مرفوض، بأنَّ معنى فناء العنوان بالمعنون كون الشيء له لحاظان: لحاظ بالحمل الأوَّلي، والآخر بالشائع، وهو بأحد اللحاظين غيره في اللحاظ الآخر، وهذا يكون في المفاهيم والوجودات الذهنية التي هي بالحمل الشائع غيرها بالحمل الأوَّلي، فمفهوم الحيوان بالحمل الأوَّلي حيوان؛ لأنَّه عنوانه وصورته، ولكنَّه بالحمل الشائع صورة في الذهن، وهذا يجعل التعامل معه بنحو الفناء بمعنى أنَّ الأحكام والمحمولات تحمل عليه بما هو بالحمل الأوَّلي لا بالحمل الشائع، فيقال: إنَّ هذا العنوان أو المفهوم لوحظ فانيا في معنونه ومصداقه، أي ليس الحكم عليه بما هو هو وبالحمل الشائع. <ref> بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 160.</ref>
<br>'''الخامس:''' هناك أدلّة ذكرت للاستصحاب هى غير الروايات، مثل [[السيرة العقلائية]]، بل هي الأساس في [[أدلَّة الاستصحاب]] <ref> أنوار الأصول 3 : 320 ـ 321.</ref> وهناك روايات لم تتضمَّن مفردة النقض التي ابتنى عليها استدلال الشيخ الأنصاري، مثل: رواية إسحاق بن عمّار التي ورد فيها: «وإذا شككت فابنِ على اليقين»، وخبر محمد بن مسلم الذي تضمَّن: «مَن كان على يقين فشكّ، فليمضِ على يقينه، فإنَّ اليقين لايدفع بالشكّ».<ref> بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 163 ـ 164.</ref>
 
==القول العاشر: التفصيل بين الشكّ في وجود الغاية وعدمه، أو في الرافع ورافعية الموجود==
حكى هذا القول المحقّق القمي<ref> القوانين المحكمة : 279.</ref> والشيخ الأنصاري<ref> فرائد الأصول 3 : 165 ـ 166، وانظر: ذخيرة المعاد: 115 ـ 116.</ref> عن المحقّق السبزواري، وبناءً على هذا القول مع اختصاص الاستصحاب بالشكّ في الرافع يخصَّص الشكّ بوجود الغاية. <ref> فرائد الأصول 3 : 50.</ref>
<br>المحقّق السبزواري يقسّم الشكّ إلى أربعة أقسام  هي:
<br>1 ـ الشكّ في وجود الرافع.
<br>2 ـ الشكّ في رافعية الشيء من جهة إجمال معنى ذلك الشيء.
<br>3 ـ الشكّ في كون الشيء مصداقا للرافع المبيَّن مفهوما.
<br>4 ـ الشكّ في كون الشيء رافعا مستقلاً.
<br>ثمَّ يعتبر جريان الاستصحاب خاصا بالقسم الأوَّل؛ باعتبار ما ورد في صحيحة زرارة: «ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا، ولكن تنقضه بيقين آخر»، وهو يدلُّ على استمرار أحكام اليقين ما لم يثبت الرافع.
<br>واليقين ينتقض بالشكّ في القسم الرابع، لكنَّه لاينتقض به في الأقسام الأخرى، بل ينتقض بيقين آخر؛ فإنَّ النقض عند الشكّ في وجود الرافع يعدُّ نقضا باليقين بوجود ما شكَّ في كونه رافعا، أو باليقين بوجود ما يشكّ في استمرار الحكم معه، لا بالشكّ، فإنَّ الشكّ في تلك الصور حاصل من قبل ولم يكن بسببه نقض، وإنَّما حصل النقض حين اليقين بوجود ما يشكّ في كونه رافعا للحكم بسببه؛ لأنَّ الشيء إنَّما يستند إلى العلة التامَّة أو الجزء الأخير منها، فلا يكون في تلك الصور نقض اليقين بالشكّ. <ref> ذخيرة المعاد : 115 ـ 116.</ref>
<br>ضعَّف الشيخ الأنصاري هذا الرأي وردَّه: بأنَّ النقض في الصور المذكورة من قبيل نقض اليقين بالشكّ لا باليقين، ولو سُلِّم كونه نقضا باليقين فليس يقينا مخالفا، مع أنَّ ذيل الصحيحة: «ولكن تنقضه بيقين آخر» حصر الناقض لليقين السابق في اليقين بخلافه، كما حرَّم هذا الذيل النقض بغيره، سواء أكان شكّا أو يقينا بوجود ما شكَّ في كونه رافعا. <ref> فرائد الأصول 3 : 166 ـ 168.</ref>
 
==القول الحادي عشر: التفصيل المتقدِّم مع زيادة الشكّ في مصداق الغاية==
وهو ما يبدو من كلمات المحقّق الخوانساري، ويبني على التفصيل المتقدِّم مع زيادة الشكّ في مصداق الغاية من جهة الاشتباه المصداقي دون المفهومي. <ref> فرائد الأصول 3 : 50، 169 ـ 177، وانظر : مشارق الشموس : 75 ـ 76.</ref>
<br>اعتمد في استدلاله على رأيه على ما يظهر من الرواية من عدم نقض اليقين بالشكّ، فهي لا تدلُّ إلاَّ على ما ثبت استمراره إلى غاية من جهة الشرع؛ تمسّكا بأنَّ المراد من عدم نقض اليقين بالشك هو عدم النقض عند التعارض، ومعنى التعارض هو أن يكون الشيء موجبا لليقين لولا الشكّ. <ref> القوانين المحكمة : 281.</ref>
إلاَّ أنَّ هذا الرأي عُدَّ ضعيفا جدا، ورُدَّ بردود كثيرة. <ref> انظر : القوانين المحكمة : 282، فرائد الأصول 3 : 177 ـ 181.</ref>
 
==القول الثاني عشر: التفصيل بين ما ثبت بدليل عقلي، وبين ما ثبت بدليل شرعي==
ممّا ذهب إليه الشيخ الأنصاري هو التفريق بين الحكم الشرعي الثابت بدليل عقلي، سواء أكان حكما عقليا مستقلاً، كحرمة الظلم، أم حكما شرعيا مستندا إلى العقل، مثل حكم الشارع بردّ الوديعة مع حكم العقل بهذا كذلك، وبين الثابت بدليل شرعي تعبُّدي، فلا يجري ـ  بناءً على رأيه  ـ الاستصحاب الثابت بدليل عقلي إذا طرأ ما يوجب الشكّ فيه كالاضطرار والخوف، بدليل أنَّ موضوعه معلوم تفصيلاً للعقل الحاكم، فإن أدرك العقل بقاء الموضوع في الآن الثاني حكم به حكما قطعيا كما حكم أولاً، وإن أدرك ارتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم، ولو ثبت مثله بدليلٍ لكان حكما جديدا حادثا في موضوع جديد، أي أنَّه لايدخل الشك والإجمال والإهمال في هذه الأحكام بقاءً<ref>فرائد الأصول 3 : 215 ـ 216. </ref>، واختلافه مع الحكم الشرعي في احتمال كون الخصوصية الزائلة التي أوجبت الشكّ من الحالات الطارئة للموضوع بحسب النظرة العرفية وليست من مقوماته. <ref> مباني الاستنباط 4 : 45.</ref>
<br>رُدَّ هذا بأمور:
<br>'''أولاً:''' يبتني هذا الرأي على أنَّ أحكام العقل تبتني على اكتشاف العقل خصوصية يراها مناطا ويرى لها دخلاً في الحكم. وهذا المبنى غير صحيح، فإنَّ الواقع قد لايكون كذلك، ومن المحتمل أنّ الحكم قد اعتمد خصوصيةً ومناطا آخر، فليس كلّ ما أدركه العقل من خصوصية هي المناط في الحكم، فمن المحتمل أنّ تقبيح العقل للكذب ناشئ عن انعدام فائدة الكذب للكاذب ولغيره، مع أنَّ من المحتمل كفاية ترتُّب الضرر على الكاذب وإن لزم منه حصول النفع للكاذب أو لغيره للحكم بالقبح عقليا. <ref> فوائد الأصول 4 : 321.</ref>
<br>'''ثانيا:''' قد نسلِّم عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقلية المستقلة، لكن لا نسلّمه في الأحكام الشرعية المستندة إلى العقل، ومن المحتمل أن يكون ملاك الحكم الشرعي قائما بالأعمّ من الواجد لبعض الخصوصيات، التي أدركها العقل واعتبرها مناطا للحكم، فلا ينحصر هذا الحكم بالواجد لهذه الخصوصيات. <ref> المصدر السابق : 322، 451 ـ 452.</ref>
<br>'''ثالثا:''' دعوى أنَّ الأحكام العقلية كلّها مبيَّنة مفصَّلة لا مجال للشكّ فيها ممَّا لا شاهد عليها، فمن المحتمل أنَّ العقل نفسه شاكٌّ في قبح الكذب غير الضارّ. <ref> فوائد الاصول 4 : 451، وانظر : مباني الاستنباط 4 : 48 ـ 50، الاستصحاب كوثراني : 151 ـ 153.</ref>
<br>ويعاكس هذا الرأي رأي للمعتزلة، إذ جوّزوا استصحاب الحكم المبني على العقل، ولم يجوّزوا استصحاب الحكم المبني على الشرع.
<br>أوجب أبو الحسين البصري المعتزلي في مثال المتيمِّم إذا رأى الماء قبل صلاته الوضوءَ قبل دخوله في الصلاة وبعد دخوله كذلك، ويرى مقولة: (إنَّ فرض الوضوء يتغيّر بالدخول في الصلاة فعليه الدليل) باطلة، مستدلاً على ذلك بقوله: إن شَرَكَ بين الحالتين في وجوب الوضوء لاشتراكهما فيما دلَّ على وجوب الوضوء، فليس باستصحاب حال الذي ننكره، ويذهبون إليه. وإن شَرَكَ بينهما في الحكم لاشتراكهما في علّته، فهذا قياس. وإن شَرَكَ بينهما بغير دلالة ولا علّة، فليس هو، بأن يجمع بينهما بأولى من أن لايجمع بينهما، أو بأن يجمع بين المسألة وغيرها؛ لأنَّ ذلك قياس بغير علّة.
<br>ويَستدلُّ على جواز الاستصحاب في الحكم الثابت عقليا بقوله: فمثاله أن يقول القائل: المُتيمِّم المصلّي إذا لم يرَ الماء لم يلزمه الطهارة الأخرى، ووجب أن يمضي في صلاته، فكذلك إذا رأى الماء. وهذا يصحّ من وجه دون وجه. أمَّا الوجه الذي لايصحّ منه فهو أن يُسقط عنه طهارة أخرى لأجل سقوطها إذا لم يرَ الماء؛ لأنَّ هذا جمع بين حالتين بغير دلالة ولا علّة. وأمَّا إذا أسقط عنه الوضوء بعد رؤية الماء، لأنَّ إيجابه شرعي فلو كان ثابتا لكان عليه دليل شرعي ـ  وليس عليه دليل شرعي  ـ فصحيح وإن عورض هذا، فقيل: الأصل في الشرع وجوب الطهارة، فلو سقطت عن الرائي للماء في الصلاة، وهو مُتيمّم، لكان عليه دليل شرعي، لم يسلّم الخصم أنَّ الطهارة واجبة في كلّ حال. وإن رأى المتيمِّم الماء، فإن استدلَّ على وجوب ذلك لعموم الخطاب، كان استدلالاً بالعموم. <ref> المعتمد 2 : 325 ـ 327.</ref>
<br>رُدَّ هذا: بأنَّه لا حكم للعقل في الشرعيات عند غير المعتزلة، فغيرهم (من السنّة) لايرون حجّية لحكم العقل في الاُمور الشرعية، فضلاً عن استصحابها. <ref> ميزان الأصول 2 : 936 ـ 937، البحر المحيط 6 : 21، إرشاد الفحول 2 : 257.</ref>
 
==القول الثالث عشر: حجّيته على المجتهد فيما بينه وبين اللّه‏ تعالى فقط==
يذهب هذا الرأي إلى أنَّه حجّة على المجتهد فيما بينه وبين اللّه‏ عزَّ وجلَّ، فإنَّه لم يكلَّف إلاَّ ما يدخل تحت مقدوره، فإذا لم يجد دليلاً سواه جاز له التمسّك به ولايكون حجّة على الخصم عند المناظرة، فإنَّ المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله: لم أجد دليلاً على هذا، لأنَّ التمسّك بالاستصحاب لايكون إلاَّ عند عدم الدليل. <ref> إرشاد الفحول 2 : 256، وانظر : كتاب التلخيص في أصول الفقه 3 : 130ـ131، الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 171، البحر المحيط 6 : 18.</ref>
 
==القول الرابع عشر: أنّه يصلح للدفع لا للرفع==
وبعبارة أخرى: يصلح حجّة للدفع لا للرفع، وإليه ذهب أكثر الحنفية<ref> أصول السرخسي 2 : 224 ـ 225، ميزان الأصول 2 : 934، كشف الأسرار البخاري 3 : 662.</ref>، قال إلكيا: ويعبّرون عن هذا بأنَّ استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان، إحالةً على عدم الدليل، لا لإثبات أمرٍ لم يكن، وهذا قول أكثر المتأخرين. <ref> البحر المحيط 6 : 19، إرشاد الفحول 2 : 257.</ref>
<br>هذا التفصيل يذهب إلى أنَّ الاستصحاب حجّة في دفع ونفي أي حكم في المورد الذي يخلو من الحكم بسبب انعدام الدليل، فهو صالح للتعذير وليس حجّة لإثبات حكم لم يكن.
<br>يقول علاء الدين البخاري: وقال أكثر المتأخرين من أصحابنا مثل: القاضي الإمام أبي زيد، والشيخين، وصدر الإسلام أبي اليسر، ومتابعيهم؛ إنَّه لايصلح حجّة لإثبات حكم مبتدأ ولا للإلزام على الخصم بوجه، ولكنَّه يصلح لإيلاء العذر وللدفع، فيجب عليه العمل به في حقِّ نفسه، ولايصحّ له الاحتجاج به على  غيره. <ref> كشف الأسرار 3 : 662، وانظر : تقويم الأدلة : 400، أصول السرخسي 2 : 224 ـ 225، أصول البزدوي 3 : 663.</ref>
<br>وبنوا على هذا مسائل منها: ما لو شهد شاهدان أنَّ الملك كان للأب المدّعي، والأب ميّت، فإنَّها لا تقبل عن أبي حنيفة؛ لأنَّ الملك ثبت لا بهذه الشهادة، والبقاء بعد الثبوت إنَّما يكون باستصحاب الحال، فيثبت دفعا عن المشهود عليه بحق الشهادة، فإنَّه كان أحد المدّعيين، فأمَّا لإيجاب حكم مبتدأ فلا، وملك الوارث لم يكن، وعلى هذا قالوا: المفقود لايرث أباه، وإن كان الملك ذلك الملك بعينه؛ لأنَّ المالك غير الأوَّل. <ref> البحر المحيط 6 : 19.</ref>
استدلَّ على هذا الرأي بدليل عقلي قائم على أساس أنَّ علة الوجود لا تكفي للحكم بالبقاء، فالدليل يوجب الإثبات فقط، والثبوت غير الإثبات وبحاجة إلى دليل آخر، وهو من قبيل الإيجاد فإنَّه  يوجب الوجود فقط، والإبقاء بحاجة إلى علّة  أخرى. <ref> كشف الأسرار البخاري 3 : 666.</ref>
<br>رُدَّ هذا بالأمور التالية:
<br>'''أولاً:''' أنَّ بقاء الموجود في الحقيقة ثابت بإبقاء اللّه‏ تعالى إيَّاه إلى زمان وجود المزيل، وعليه لا داعي لإبقاء الموجود إلى سبب آخر مضافا إلى سبب الإيجاد. <ref> المصدر السابق : 667.</ref>
<br>'''ثانيا:''' هذا الدليل على التفصيل إنَّما يتمُّ إذا لم تكن لنا أدلَّة على الاستصحاب، تعطي صفة البقاء والاستمرار للمستصحب تعبُّدا أمثال: (لا تنقض اليقين بالشكّ)، (فليطرح الشكّ، وليبنِ على ما استيقن)، أمَّا مع قيام هذه الأدلَّة فإنَّ بقاء الحكم تعبُّدا إنَّما يكون مستندا إليها لا إلى دليل الوجود، ليقال بأنَّ الوجود لايصلح أن يكون دليلاً للبقاء. <ref> الاستصحاب كوثراني : 139.</ref>
<br>'''ثالثا:''' بعد فرض إعطاء الشارع صفة البقاء للمتيقّن، فلا وجه للتفريق بين حالة الإثبات والدفع.<ref> المصدر السابق.</ref>
<br>'''رابعا:''' قول الزركشي: «ونحن نسلِّم لهم أنَّ دلالة الثبوت غير دلالة البقاء؛ لأنَّ أحدهما نصٌّ والآخر ظاهر، ولكن لا نقول: البقاء لعدم المزيل، بل لبقاء الدليل الظاهر عليه، وهذا لايجوز أن يكون فيه خلاف».<ref> البحر المحيط  6 : 19.</ref>
 
==القول الخامس عشر: أنّه حجّة لإبقاء ما كان، ولايصلح حجّة لإثبات ما لم يكن==
بناءً على هذا القول يعدُّ الاستصحاب حجّة لإبقاء ما كان، ولايصلح حجّة لإثبات أمر لم يكن، وذلك كحياة المفقود، فإنَّه لمَّا كان الظاهر بقاءها صلح حجّة لإبقاء ما كان فلايورَّث ماله، ولايصلح حجّة لإثبات أمر لم يكن، فلا يرث عن أقاربه.
<br>وقد أورد الزركشي هذا القول والقول الذي سبقه تحت عنوان واحد، ولايبعد أن يكونا متحدي المضمون. <ref> البحر المحيط 6 : 18، إرشاد الفحول 2 : 256.</ref>
 
==القول السادس عشر: أنّه حجّة للذات لا للغير==
المنقول في كتب أكثر [[الحنفية]] أنَّه لايصلح حجّة على الغير، ولكن يصلح للعذر والدفع. ولايبعد كونه ذات الذي ورد تحت عنوان: (يصلح للدفع لا للرفع)؛ لكونهما وردا عن أكثر الحنفية، كما أنَّ بعضا لم يفرّق بينهما. أو أنّه ذات الذي ورد تحت عنوان: (حجّة على المجتهد فيما بينه وبين اللّه‏ تعالى فقط). <ref> الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 171، البحر المحيط 6 : 18، إرشاد الفحول 2 : 256.</ref>
 
==القول السابع عشر: جواز الترجيح به فقط==
بناءً على هذا لايجوز عدّه دليلاً ولا الاستدلال به، ويجوز الترجيح به لا غير، نقله الأستاذ أبو إسحاق عن الشافعي، وقال: إنَّه الذي يصحُّ عنه، لا أنَّه يحتجُّ به، ويشهد له قول [[الشافعي]]: والنساء محرَّمات الفروج، فلا يحلّلنّ إلاَّ بأحد أمرين: نكاح أو ملك يمين، والنكاح ببيان الرسول(ص). قال الروياني: وهذا استدلال الشافعي باستصحاب الحال في جميع هذه المسائل. وقيل: إنَّه نوع من أنواعه، وهو من أقواها، وأجمع أصحابنا على أنَّ الاستصحاب صالح للترجيح، واختلفوا في استصلاحه للدليل، فظاهر كلام [[الشافعي]] أنَّه قصد به الترجيح، وهو الظاهر من المذهب. <ref> البحر المحيط 6 : 19، وانظر : البرهان في أصول الفقه 2 : 171، الإحكام الآمدي 3ـ4 : 367، نفائس الأصول 9 : 4207، إرشاد الفحول 2 : 257.</ref>
 
==القول الثامن عشر: يصحُّ لنفي ما نُفي، ولا يصحّ لإثبات خلاف قول الخصم==
بناءً على هذا القول فإنّ المستصحب للحال إن لم يكن غرضه سوى نفي ما نفاه صحَّ استصحابه، كمن استدلَّ على إبطال بيع الغائب ونكاح المُحرِم والشغار بأنَّ الأصل أنّ لا عقد، فلا يثبت إلاَّ بدلالةٍ ما، وإن كان غرضه إثبات خلاف قول خصمه من وجه يمكن استصحاب الحال في نفي ما أثبته فليس له الاستدلال به، كمن يقول في مسألة الحرام: إنَّه يمين توجب الكفارة. لم يستدل على إبطال قول خصومه بأنَّ الأصل أنّ لا طلاق ولا ظهار ولا لعان، فيعارض بالأصل أنّ لا يمين ولا كفارة، فيتعارض الاستصحابان ويسقطان، حكاه الأستاذ أبو منصور البغدادي عن بعض أصحابنا. <ref> البحر المحيط 6 : 19 ـ 20، إرشاد الفحول 2 : 257.</ref>
 
== الهوامش ==
{{الهوامش}}
<references />
</div>


[[تصنيف: الاستصحاب]][[تصنيف: اصطلاحات الأصول]]
[[تصنيف: الاستصحاب]]
[[تصنيف: اصطلاحات الأصول]]

المراجعة الحالية بتاريخ ١٨:٣٧، ٥ أبريل ٢٠٢٣

حجية الاستصحاب: اختلف الأصوليون في حجية الاستصحاب بين حجيته وعدم حجيته، ولکن هناک أقوال وتفصيلات کثيرة حول هذه المسألة يلزم بنا أن نشير إلی أهمها.

الأقوال في حجّية الاستصحاب

وردت عدّة أقوال في حجّية الاستصحاب، هي:

القول الأول: حجّية الاستصحاب مطلقا

الدليل الأوَّل: السنّة

وهي عبارة عن روايات كثيرة أهمُّها مايلي:
1 ـ صحيحة زرارة الأولى: قال: قلت له: الرجل ينام، وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة، قد تنام العين ولاينام القلب والأذن، فإذا نامت العين والأذن والقلب فقد وجب الوضوء» قلت: فإن حرَّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به؟ قال: «لا، حتَّى يستيقن أنَّه قد نام، حتَّى يجيء من ذلك أمر بيِّن، وإلاَّ فإنَّه على يقين من وضوئه، ولاينقض اليقين أبدا بالشكِّ، ولكن ينقضه بيقين آخر».[١]
رغم ما في الصحيحة من إضمار إلاَّ أنَّه لا يضرُّ؛ باعتبار كون زرارة لايستفتي إلاَّ إماما. [٢] مضافا إلى أنّ الأسترآبادي[٣] والبحراني[٤] وبحر العلوم[٥] ذكروا أنّها مروية عن الإمام الباقر عليه‏السلام. كيفية الاستدلال: سؤال زرارة عن الخفقة والخفقتين يكشف عن وجود شبهة مفهومية حكمية فيما إذا كانا ينقضان الوضوء أم لا؟ وقد أجاب الإمام عليه‏السلام عن هذه الشبهة بالسلب، وأنَّ الذي ينقض هو النوم الغالب. وفي سؤال زرارة الآخر استفسر عن أمارات النوم الغالب، وذكر بعض الموارد، واستفسر عمَّا إذا كانت أمارة أم لا؟ إذ قال: فإن حرَّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به؟ وهذا يكشف عن حمل زرارة لشبهة موضوعية. وأجاب الإمام عن السؤال بالسلب، وأنَّ الأمارة هنا ينبغي أن تكون أمرا بيّنا، وإلاَّ يبقى الإنسان على يقينه السابق. [٦]
هذه التساؤلات تكشف عن شمول الرواية للشبهة الحكمية والموضوعية معا. لا إشكال في دلالة هذه الرواية على حجّية الاستصحاب في الوضوء، ولايوجد مخالف لذلك[٧]، وإنَّما الإشكال في الاستدلال بها على حجّية الاستصحاب مطلقا.
بتَّ الكثير من الفقهاء لإثبات حجّية الاستصحاب مطلقا بواسطة هذه الرواية من خلال محاولات عدّة:
الأولى: تحديد جزاء الجملة (وإلاَّ فإنَّه على يقين من وضوئه)، فقد وردت عدّة احتمالات، أصحها كون الجزاء محذوفا وتقديره: (لايجب عليه الوضوء) والقرينة عليه هو التعليل اللاحق والوارد في العبارة: (فإنَّه على يقين...) وقد ورد كثيرا قيام العلّة مقام الجزاء، كما في قوله تعالى: «وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى»[٨] و«إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ»[٩] ولايصح اعتبار التعليل جزاء؛ لأنَّ ذلك بحاجة إلى تكلُّف[١٠]، ولو اعتبرناه جزاء كان المفروض على الإمام التعبير بنحو آخر من قبيل: (وإلاَّ فبما أنَّه على يقين من وضوئه) كما أنَّه من غير المناسب تصدير عبارة (لا تنقض) بالواو. [١١] هذا مع أنَّ اللام في (اليقين) للجنس لا للعهد. وذلك للأمور التالية: الأول: أنَّ الأصل في اللام أن تكون للجنس لا للعهد، وصرفها للعهد بحاجة إلى قرينة[١٢]، ومجرّد سبق العنوان غير كافٍ لإثبات كونها للعهد، كما أنَّه عند دوران الأمر بين الأمرين يرجّح كونها للجنس، كما قُرِّر ذلك في كُتب اللغة. [١٣] ورُدَّ هذا بأنَّه رغم كون الأصل في اللام أنَّها للجنس لكن ليست موضوعة للجنس الاستغراقي، ومعناها يكون مردَّدا بين أن يكون للتزيين، أو أنَّه مشترك بين التعيين الجنسي والعهدي، ولايمكن إثبات الاستغراق هنا إلاَّ بقرينة، وقد يكون سياق العهد صالحا كقرينة للدلالة على العهد. [١٤] الثاني: لو كانت للعهد للزم التكرار غير المستحسن في عبارات الإمام عليه‏السلام، فإنّ المعنى الذي يثبت من خلال القول بكون اللام للعهد ظاهر من عبارة الإمام عليه‏السلام السابقة للعبارة موضع البحث، فلا داعي لتكرارها. [١٥] وقد قيل: إنَّ الاستدلال بالرواية لايتوقَّف على تشخيص الجزاء، ومهما كان الجزاء فالمفروض نفي احتمال اختصاص القاعدة بالوضوء دون الحاجة إلى تعيين الجزاء. [١٦]
الثانية: من المحتمل تعلّق قوله (من وضوئه) بالظرف لا باليقين، وكأنَّه قال: (فإنَّه من وضوئه على يقين)، وعليه لا وجه لاحتمال التقييد في قوله: (فإنَّه على يقين من وضوئه) فضلاً عن جملة (ولاينقض اليقين بالشك). [١٧]
الثالثة: أنَّ اليقين من الصفات الحقيقية ذات الإضافة التي يستحيل انفكاكها عن المضاف إليه (وهو الوضوء في المقام)، وباعتبار ذلك فإنَّ ذكر الوضوء لم يكن من باب تقييد مفهوم اليقين، بل من جهة كون اليقين من الصفات ذات الإضافة، فلا يرى في ذكره مؤنة التقييد، وعليه يبقى قوله: (ولاينقض اليقين بالشك) باقيا على عمومه؛ لأنَّ مجرّد ذكر الوضوء قبله لايصلح للقول بأنَّ اللام للعهد. [١٨]
الرابعة: من المتسالم عليه أنَّ المورد لايخصّص الوارد إلاَّ أن تكون هناك قرينة تفيد التخصيص. [١٩]
الخامسة: أنَّ سياق التعليل سياق تقريب للذهن، بحيث يفهم منه خصوصية لذات اليقين مع غضّ النظر عن متعلّقه، ولذلك خصوصية الوضوء تكون ملغية. أورد عليه: بأنَّ هذا السياق غير كافٍ لإثبات قاعدة كلية في جميع الأبواب، بل قد يراد من التعليل التعميم للشكّ في مورد النوم وغيره في باب الوضوء فقط، أي مع لحاظ قيد الوضوء. لكن يتمَّم الاستدلال هنا، بأنَّ التعليل كان ناظرا إلى شيء مرتكز في أذهان العرف، ويتوقَّف التعليل سعةً وضيقا على ذلك الارتكاز العرفي، وهو عدم نقض اليقين دون خصوصية لمتعلّقه (الوضوء) بالشكّ، وبذلك يثبت العموم والإطلاق. [٢٠]
السادسة: أنَّ في الرواية إشارة إلى المرتكز العرفي في مجال عدم نقض اليقين بالشكّ، وهذا الارتكاز يلغي خصوصية مورد الرواية (الوضوء)، ونجري الإطلاق ومقدمات الحكمة لنفي أي خصوصية اُخرى، فيثبت التعميم. [٢١]
السابعة: أنَّ العرف يلغي الخصوصية عن الوضوء؛ باعتبار تناسب الحكم والموضوع وقرائن، من قبيل (أبدا) التي تفيد العموم والشمول لجميع الأبواب لا خصوص الوضوء، وكذلك باقي الروايات التي وردت في غير الوضوء. [٢٢] وبتعبير آخر: كون ظاهر التعليل عرفا هو التعميم وإلغاء الخصوصية للمورد، وهو من قبيل (لا تشرب الخمر لأنَّه مسكر)، فالعرف يستفيد حرمة شرب كلّ مسكر ويلغي خصوصية الخمر، فكذلك في المقام تلغى خصوصية الوضوء المنتزعة من المورد. ورُدَّ: بأنَّ هذه الكبرى لو سلِّمت فصغراها غير متحقّقة في المقام؛ لأنَّه يستلزم القول بأنَّ خصوصية اليقين متعلّقا بالوضوء ليس هو الحُكم المعلَّل، بل هو التعليل نفسه؛ لعدم وجوب الوضوء في المورد، فلا وجه لإلغاء هذه الخصوصية. [٢٣]
الثامنة: مناسبة الحُكم والموضوع تقتضي التعميم، فإنَّ عدم نقض اليقين بالشكّ باعتبار ما لليقين من استحكام، وهذه النكتة المستبطنة في اليقين غير خاصة باليقين بالوضوء، بل شاملة لكلّ مجالات اليقين. ورُدَّ هذا: بأنَّه خلط بين مناسبة الحُكم والموضوع ومناسبة استعمال كلمة النقض وإسنادها إلى اليقين لغةً، فإنَّ إسناد النقض أو عدمه لليقين صحيح لغةً دون أن يكون للقيد (الوضوء في الحديث) دخل في ذلك، وهذا لا علاقة له بقضية مناسبة الحكم والموضوع. [٢٤]
التاسعة: وردت روايات كثيرة تفيد عدم نقض اليقين بالشكّ، وبها تتشكَّل كبرى كلّية، ومن ذلك يتَّضح أنَّ اليقين هنا يراد منه الجنس لا اليقين بالوضوء فحسب.
وأورد عليه: بأنَّ هذه القاعدة قد تبلورت من استقراء ناقص فتكون ظنية، ولا دليل لنا على حجّية هذا الظن. [٢٥]
2 ـ صحيحة زرارة الثانية: عن زرارة، قال: قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من مني، فعلمت أثره إلى أن أصيب له من الماء، فأصبت وحضرت الصلاة، ونسيت أن بثوبي شيئا، وصليت، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك؟ قال: «تعيد الصلاة وتغسله» قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه، وعلمت أنَّه قد أصابه، فطلبته فلم أقدر عليه، فلما صلّيت وجدته؟ قال: «تغسله وتعيد» قلت: فإن ظننت أنَّه قد أصابه ولم أتيقَّن ذلك، فنظرت فلم أرَ شيئا، ثمَّ صلّيت فرأيت فيه؟ قال: «تغسله ولا تعيد الصلاة» قلت: لِمَ ذلك؟ قال: «لأنَّك كنت على يقين من طهارتك ثمَّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا». قلت: فإنّي قد علمت أنَّه قد أصابه ولم أدرِ أين هو، فأغسله؟ قال: «تغسل من ثوبك الناحية التي تراها أنَّه قد أصابها حتَّى تكون على يقين من طهارتك» قلت: فهل عليَّ إن شككت في أنَّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟ قال: «لا، ولكنَّك إنَّما تريد أن تذهب الشكّ الذي وقع في نفسك» قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟ قال: «تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمَّ رأيته، وإن لم تشكّ ثمَّ رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثمَّ بنيت على الصلاة؛ لأنَّك لا تدري لعلّهُ شيء أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ».[٢٦]
الفقرات التي تتعلَّق بالاستصحاب هي قوله: (لأنَّك كنت على يقين من طهارتك فشككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا) الذي تكرر مرتين، ودلالة الفقرة في المرة الثانية على حجّية الاستصحاب واضحة وظاهرة، بل أظهر وأصرح من الرواية الأولى[٢٧]؛ وذلك:
1 ـ قوله عليه‏السلام: «... لأنَّك لاتدري لعلَّهُ شيء أوقع عليك» صريح في التعليل، وقد وردت العبارة جوابا عن سؤال زرارة عن سبب الحُكم.
2 ـ الظاهر من: «فليس ينبغي» هو الإشارة إلى كبرى كلّية مرتكزة في الأذهان. [٢٨] من خلال هذه العبارة يمكن إثبات حجية الاستصحاب، ولا خلاف في هذه الفقرة بين الأصوليين الشيعة، وإنَّما الخلاف في الفقرة الأولى حيث قال الإمام عليه‏السلام: «لأنَّك كنت على يقين من طهارتك فشككت، فليس لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا»، فإنَّ الإمام عليه‏السلامطبَّق هذه العبارة على عدم وجوب الإعادة، ولو كان قد طبَّقها على جواز الدخول في الصلاة لكانت دليلاً على حجّية الاستصحاب وعدم نقض اليقين بالشك، بل إنّ الرواية كانت من قبيل نقض اليقين بيقين آخر، كما ذهب بعض إلى ذلك؛ باعتبار أنَّ المراد من اليقين هنا اليقين الحاصل بالنظر والفحص والزائل بعد الصلاة. [٢٩]
ورُدَّ احتمال دلالتها على قاعدة اليقين: بأنَّ أركان الاستصحاب قد فرضت في سؤال السائل، ومن الطبيعي أن يكون جواب الإمام عليه‏السلام ناظرا إلى ما فرض في السؤال، فقد فرض اليقين السابق بالطهارة من خلال عبارة: (ظننت أنَّه قد أصابه)، والظاهر منها أنَّه كان عالما بالطهارة قبل ظن الإصابة.
أمَّا الشكّ اللاحق، فهو مفروض على كلِّ تقدير، وجواب الإمام عليه‏السلام تطبيق لقاعدة من قواعد الشكّ على المورد.
ولم تفرض أركان قاعدة اليقين في سؤال زرارة؛ لأنَّ ذلك يستدعي فرض حصول يقينه بالطهارة بعد فحصه عن النجاسة وعدم وجدانه إيَّاها، ثمَّ شكَّ بالطهارة بعد أن وجدها بعد الصلاة، فلا يعلم ما إذا كانت نفسها أو غيرها. وهذا يستدعي حمل قوله: (فنظرت فلم أرَ شيئا) على حصول اليقين بالطهارة، وحمل قوله: (ثمّ صلّيت فرأيت فيه) على الشكّ الساري إلى متعلّق اليقين. والحمل الأول ممكن لكن الثاني غير ممكن، باعتبار عدم حصول اليقين بالطهارة من مجرّد عدم رؤية النجاسة، إلاَّ أن يفترض أنَّ الإمام عليه‏السلام أعمل علمه الغيبي هنا.
ولايمكن القول بأنَّ الغالب حصول العلم بالعدم عند الفحص وعدم الرؤية؛ لأنَّه مع ظنِّ الإصابة لا يُعلم ما إذا كان السائل قد اعتمد على الغالب أم لا؟ وما دمنا لا نعلم باعتماده على الغالب، فلا يمكن القول بأنَّ المورد ناظر إلى قاعدة اليقين. [٣٠]
وأشكل على الرواية ـ كذلك ـ : باستشمام رائحة الاستحباب من عبارة الإمام عليه‏السلام: «ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ».
ورُدَّ هذا الإشكال: بأنَّ تعبير الإمام عليه‏السلام ورد في مقام الاستدلال على حُكم إلزامي (عدم جواز إعادة الصلاة)، وظاهر النفي كونه تعبيرا عن النهي، وهذه قرائن على الإلزام في كلام الإمام عليه‏السلام لا الاستحباب. [٣١] وبذلك تكون الرواية ممَّا يمكن الاحتجاج بها على حجّية الاستصحاب مطلقا. [٣٢]
3 ـ صحيحة زرارة الثالثة: عن أحدهما، قال: قلت له: من لم يدرِ في أربع هو أم في ثنتين، وقد أحرز الثنتين؟ قال: «يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهَّد ولا شيء عليه، وإذا لم يدرِ في ثلاث هو أو في أربع، وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها ركعة أخرى ولا شيء عليه، ولاينقض اليقين بالشك، ولايدخل الشك في اليقين، ولايخلط أحدهما بالآخر، ولكنَّه ينقض الشك باليقين، ويتمّ على اليقين فيبني عليه، ولايعتدُّ بالشك في حال من الحالات».[٣٣]
وقريب من هذه الرواية ما ورد عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من طرق أهل السنّة من قبيل: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: «إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلَّى ثلاثا أم أربعا؟ فليطرح الشكّ، وليبنِ على ما استيقن».[٣٤]
وعن رسول اللّه‏(ص): «إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلَّى فليبنِ على اليقين».[٣٥]
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: «إذا شكَّ أحدكم في صلاته فليلغِ الشك وليبنِ على اليقين».[٣٦]
استدلَّ بهذه الروايات على قاعدة اليقين عموما والاستصحاب خصوصا. [٣٧] وذلك باعتبار تضمّنها ما يبدو من الذيل من قاعدة كلّية تصلح دليلاً على قاعدة اليقين عموما والاستصحاب خصوصا، ويمكن أن تدرج كيفية الاستدلال بها بنفس النحو الوارد في صحيحة زرارة الثالثة. وفقرة الاستدلال في الصحيحة هي قوله عليه‏السلام: «ولاينقض اليقين بالشكّ...»، فالمصلّي في الرواية كان على يقين من عدم إتيانه بالرابعة ثمَّ شكَّ في الإتيان بها، كما ورد هذا الفرض في قوله عليه‏السلام: «وإذا لم يدرِ في ثلاث هو أو في أربع» فأمره الإمام عليه‏السلام بعدم نقض يقينه بالشكّ، وعليه الإتيان بركعة أخرى، وبذلك تتحقَّق أركان الاستصحاب. [٣٨] أشكل على الاستدلال بها بعدَّة إشكالات:
الإشكال الأول: كون فقرة الاستدلال ظاهرة في قاعدة اليقين بالفراغ والشكّ فيه، أي قاعدة الاشتغال اليقيني، أو أنَّها تحتمل هذا المعنى، وقد حملها على هذا بعض مثل السيد المرتضى. [٣٩]
ورُدَّ هذا: بأنَّ ظاهر الرواية فرض يقين وشكّ فعليين، مع أنَّ الفرض في الاحتمال المزبور النظر إلى يقين غير فعلي، بل يراد إيجاده بحكم العقل، كما أنَّ ظاهر الرواية نقض اليقين الفعلي، بينما الاحتمال المزبور يفرض نقض حكم العقل بوجوب تحصيل اليقين. [٤٠]
الإشكال الثاني: حمل الرواية على الاستصحاب يستلزم مخالفتها للمذهب، إذ تعني عندئذٍ البناء على الأقل في الركعات، ولزوم الإتيان بركعة رابعة موصولة، وهذا وإن كان مقتضى الاستصحاب، لكنَّه مخالف لفقه المذهب في لزوم الإتيان بركعة احتياط مفصولة، وإن أريد من الفقرة الإتيان بركعة مفصولة، فهذا مخالف لوظيفة الاستصحاب وليس من آثاره، ومؤدَّاه عدم الإتيان بالركعة الرابعة فقط، لا فرض ركعة أخرى منفصلة. [٤١] وقد رُدَّ هذا الإشكال بعدّة ردود:
1 ـ ما ذهب إليه الآخوند الخراساني، ويبتني على حمل الركعة في الرواية على الركعة المفصولة، ممَّا يعني تقييد الاستصحاب باعتباره يقتضي أثرين، أولهما: الإتيان بركعة، وثانيهما: الإتيان بها موصولة لكنَّ التشهُّد والتسليم مانعان، وقد ثبت بهذه الصحيحة انتفاء الإتيان بها موصولة، فيبقى الأثر الآخر (الإتيان بركعة). [٤٢] وأضيف إلى هذا التبرير: أنَّ انتفاء الأثر الثاني وخروجه عن الاستصحاب كان تخصُّصيا لا تخصيصيا، أي انتفاؤه واقعي لا ظاهري وإلاَّ يلزم بطلان عمله للقطع بذلك، مع كون التكليف الواقعي هو الركعة الموصولة ومانعية التشهُّد والتسليم، فلا يمكن ترك ذلك فضلاً عن أن تكون الركعة المفصولة يقينا بالفراغ وكون الفريضة صحيحة، كما هو ظاهر هذه الرواية وباقي روايات الباب. [٤٣]
2 ـ حمل مورد الرواية على التقية، كما ذهب إلى ذلك المحقّق العراقي[٤٤]، رغم أنَّ الكبرى في الرواية قد حافظت على جِدّيتها، أي أنَّ أصالة الجِدّ تجري في الكبرى دون مورد تطبيقها. وبعبارة أخرى: التقية كانت في التطبيق لا في نفس حكم الاستصحاب، ولذلك موارد في التاريخ من قبيل: قول الإمام الصادق عليه‏السلام لحاكم عهده: «ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا، وإن أفطرت أفطرنا»[٤٥]، فإنَّ مقولة الإمام عليه‏السلام لم يكن فيها أيّ تقية لكنَّ تطبيقها على حاكم عهده كان من باب التقية. [٤٦]
وقد رُدَّ حملها على التقية: بأنَّه حمل مخالف للأصل[٤٧]، مضافا إلى وجود قرائن تنفي هذا الاحتمال:
منها: تبرُّع الإمام عليه‏السلام بذكر فرض الشكّ في الرابعة، فلو كان في ظرف التقية ما كان عليه أن يتبرَّع بذكره، لكي يبيِّنه بما ينسجم مع ظرف التقية. [٤٨]
ومنها: الجمل المترادفة التي وردت في ذيل الرواية مؤكّدة لمضمون الرواية، والتأكيد يتنافى مع التقية. [٤٩]
الإشكال الثالث: لو سُلِّم دلالتها على الاستصحاب، كانت من الأخبار الخاصة الدالة على حجّية الاستصحاب في مورد خاص، باعتبار ظهور الفقرات في كونها مبنيَّة للفاعل لا للمفعول، ومرجع الضمير هو المصلّي الشاك، فكانت العبارات جميعها تشير إلى المورد الخاص ولاتريد التعميم. [٥٠] ورُدَّ هذا الإشكال بإمكانية استفادة الشمول والعموم من قرائن ثلاث: [٥١] الأولى: تناسب الحكم والموضوع. الثانية: تعبير الإمام عليه‏السلام: «لايعتدُّ بالشكّ في حال من الحالات». الثالثة: اشتراك هذه الرواية مع كثير من الروايات في تعبير: (لا تنقض اليقين...).
4 ـ موثّقة إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن عليه‏السلام قال: «إذا شككت فابنِ على اليقين» قلت: هذا أصل؟ قال عليه‏السلام: «نعم».[٥٢] وقد أشكل على الاستدلال بها: بأنَّها تفيد البناء على الأقلّ، وهو مخالف للمذهب، فتحمل على التقية، أو البناء على الأكثر وتحصيل اليقين بالفراغ.
ورُدَّ هذا الإشكال: بأنَّ الرواية لم ترد في الشكّ في ركعات الصلاة، بل وردت مطلقة في الصلاة وغيرها، فإذا ورد دليل على تقييد هذا الإطلاق في الصلاة أخذنا به وقيَّدناه، وإلاَّ فلا، هذا مضافا إلى أنَّ مفردة (أصل) تفيد معنى العموم والشمول كقاعدة كلّية. [٥٣]
ومن جانب آخر: فإنَّ حمل الرواية على البناء على تحصيل اليقين بفراغ الذمة يتنافى وسياق الكلام فيها، ولو كان ذلك البناء مرادا، لكان على الإمام عليه‏السلام التعبير بنحو: (إذا شككت فحصِّل اليقين). [٥٤]
5 ـ مكاتبة علي بن محمد القاساني (أو القاشاني) عن محمد بن الحسن الصفار، عن علي بن محمد القاساني، قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة عن اليوم الذي يشكُّ فيه من شهر رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب عليه‏السلام «اليقين لايدخل فيه الشكّ، صُم للرؤية وافطر للرؤية».[٥٥] في السند ضعف[٥٦] ناشئ عن التردُّد في علي بن محمد، بين كونه علي بن محمد القاشاني الذي ضعَّفه الشيخ[٥٧]، وعلي بن محمد بن شيرة القاساني الذي يظهر من النجاشي توثيقه[٥٨]، والذي يحتمل اتحاده مع علي ابن شيرة الذي وثَّقه الشيخ أيضا. [٥٩]
الفقرة المستشهد بها هنا على الاستصحاب هي: (اليقين لايدخل فيه الشكّ)، فإنَّها تشير إلى مفهوم الاستصحاب من حيث تفريع العبارة التالية عليها: (صُم للرؤية وافطر للرؤية)، وباعتبار إطلاق كلام السائل فيشمل الشكّ في دخول رمضان والشكّ في دخول شوال، فينطبق هذا المعنى على استصحاب عدم دخول كلٍّ من الشهرين. [٦٠]
الشيخ الأنصاري اعتبرها أظهر الأخبار في الدلالة على الاستصحاب لكنَّ سندها غير سليم. [٦١] وكأنَّ وجه أظهريتها: أنَّ الكبرى ظاهرة في العموم؛ لظهور اللام في الجنس، لعدم سبق ما يقتضي العهد. [٦٢]
أوقف الميرزا النائيني الاستدلال بها على كون المراد من اليقين هو اليقين بكون اليوم الماضي من شعبان أو اليقين بعدم دخول رمضان، واحتمل أن يكون المراد منه حصول اليقين بدخول رمضان، وهذا اليقين لايدخله شكٌّ، ومعنى ذلك عدم جواز صوم يوم الشكّ من رمضان؛ لاشتراط اليقين بدخول رمضان في صحة الصوم، وبذلك تكون الرواية أجنبية عن الاستصحاب. [٦٣] لكنَّ الإمام الخميني استبعد هذا الاحتمال. [٦٤]
6 ـ رواية الأربعمئة، محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه‏ عليه‏السلام قال: «قال أمير المؤمنين صلوات اللّه‏ وسلامه عليه: من كان على يقين فشكَّ (ثمَّ شكَّ) فليمضِ على يقينه، فإنَّ الشكّ لاينقض اليقين».[٦٥]
وفي رواية أخرى عنه عليه‏السلام: «من كان على يقين فأصابه شكّ فليمضِ على يقينه، فإنَّ اليقين لايُدفع بالشكّ».[٦٦]
والظاهر من الرواية اليقين بأمر سابق وشكّ به لاحقا، فكان أمر الإمام عليه‏السلام بالإمضاء على اليقين في زمن الشكّ، وهو ما يبدو منه إرادة الاستصحاب. [٦٧]
وقد أشكل على الاستدلال بالرواية من حيث السند والدلالة، أمَّا من حيث السند فباعتبار القاسم بن يحيى الذي ضعَّفه ابن داود[٦٨] و العلاَّمة الحلّي. [٦٩]
لكن رُدَّ هذا التضعيف : بأنَّ مردّه إلى قدح ابن الغضائري في هذا الرجل ، و لا اعتبار بتضعيفاته عموما. [٧٠]
وأمَّا من حيث الدلالة، فإنَّ صدر الرواية: (من كان على يقين فليمضِ على يقينه) ظاهر في قاعدة اليقين؛ باعتبار أنَّ المفروض فيه وجود يقين سابق وشكّ لاحق، أي أنَّ زمان اليقين غير زمان الشكّ، وذلك قد يستفاد من ثمَّ أو الفاء في (فشكَّ)، وهذا (تعدُّد زمان اليقين والشكّ) هو المفروض في قاعدة اليقين رغم اتّحاد زمان متعلّقيهما، بينما المفروض في الاستصحاب اتحاد زمان اليقين والشكّ وتعدُّد زمان متعلّقيهما. ورُدَّ هذا الإشكال: بأنَّ ذيل الرواية: (الشكّ لاينقض اليقين) أو (اليقين لايدفع بالشكّ) يتضمَّن تعليلاً يتناسب معناه مع الاستصحاب وظاهر فيه، وظهور التعليل مقدَّم على غيره دون شك، مضافا إلى أنَّ باقي الروايات تصلح قرينة على تفسير هذه بالاستصحاب وإرادة القاعدة الكلّية المرتكزة في الأذهان[٧١]، بل قد يُدَّعى انحصار دلالة الرواية على الاستصحاب بقرينة: (فليمض على يقينه)، فإنَّها تفيد بقاء اليقين وعدم اضمحلاله، بينما المفترض في قاعدة اليقين اضمحلال اليقين بالشكّ، ولذلك سُمّيت بـ: الشكّ الساري. [٧٢]
7 ـ الاستدلال بروايات أصالة الحلّ والطهارة: أي: (كلّ شيء هو لك حلال حتَّى تعلم أنَّه حرام بعينه) [٧٣]، أو (كلّ شيء نظيف حتَّى تعلم أنَّه قذر) [٧٤]، وجمهور فقهاء الشيعة[٧٥] إلاّ القليل منهم[٧٦] ردَّ إمكانية استفادة الاستصحاب منها.
وممَّا أشكل على الاستدلال بها كونها واردة في موارد خاصة، فهي حتَّى لو دلَّت على حجّية الاستصحاب فإنَّها تدلُّ على حجّيته في موارد خاصة. لكن رُدَّ هذا الإشكال: بأنَّ المورد لايخصِّص الوارد، وتعدُّد الموارد يفيد العموم بضمِّ بعضها إلى بعض. [٧٧] لكنَّ الاستدلال بها على الاستصحاب من منظار أصوليي أهل السنّة أمر ممكن؛ باعتبار إدراجهم الاستصحاب في قواعد مطلق اليقين، أي القواعد التي يفترض فيها اليقين، وعدم التمييز بشكل واضح بينه وبين قواعد اليقين وبالنحو المأثور عن متأخري أصوليي الشيعة، ولهذا استدلّوا بروايات أصالة حرمة اللحوم إلاَّ ما ذُكِّي منها. [٧٨]
8 ـ قول النبي صلی الله عليه وآله: «إنَّ الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته، فيقول له: أحدثت، فلا ينصرفن حتَّى يسمع صوتا أو يجد ريحا».[٧٩]
وقد ورد عن النبي صلی الله عليه وآله بصياغات مختلفة لكنَّها متقاربة: منها: «إنَّ الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه، ويقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا».[٨٠] ومنها: «إذا كان أحدكم في الصلاة، فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث، فأشكل عليه، فلا ينصرف حتَّى يسمع صوتا أو يجد ريحا».[٨١] ومنها: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتَّى يسمع صوتا أو يجد ريحا».[٨٢] ومنها: عن عبد اللّه‏ بن زيد قال : شكا إلى النبي(ص) قال : الرجل يخيَّل إليه أنَّه يجد الشيء في الصلاة، فقال : «لا ينصرفن حتَّى يسمع صوتا أو يجد ريحا». ومنها: عن عبد بن تميم ، عن عمّه أنَّه شكا إلى رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الرجل الذي يُخيَّل إليه أنَّه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لاينفتل حتَّى يسمع صوتا أو يجد ريحا».[٨٣]
فهذا الحديث بصياغاته المختلفة يفيد عدم إزالة اليقين بالشكّ، وقد استدلَّ به على قاعدة: (اليقين لايزول بالشك) عموما والاستصحاب بالخصوص[٨٤]، لكنَّه لم ينل شيئا من الدراسة المعمَّقة لدى أهل السنّة كما نالت روايات الشيعة من دراسات. ويمكن أن يقال: إنَّ إطلاق الحديث يمكنه أن يشمل كلّ ما ورد من قواعد تتعلَّق باليقين، سواء أكانت استصحابا أم غير استصحاب.
ومرادهم من القاعدة ما هو أعمّ من الاستصحاب وغيره من القواعد ذات الصلة باليقين، يقول السبكي: «اليقين لايرفع بالشكّ، ولايخفى أنَّه لا شكَّ مع اليقين، ولكن المراد استصحاب الأصل المتيقّن لايزيله شكٌّ طارئ عليه. فقل إن شئت: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أو الاستصحاب حجّة»[٨٥]، واعتبر بعض قاعدة الاستصحاب من فروع القاعدة المزبورة وداخلة فيها[٨٦]، وبعض آخر اعتبر معنى اليقين: الاستصحاب لما تُيقِّن في الماضي، وأطلق عليه اليقين مجازا. [٨٧]
9 ـ عن عدي بن حاتم قال: قال رسول اللّه‏ صلى‌الله‌عليه‌و‏آله: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللّه‏، فإن أمسك عليك فأدركته حيّا فاذبحه، وإن أدركته قد قُتل ولم يأكل منه فكُلْه، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قُتل، فلا تأكل، فإنَّك لا تدري أيّهما قتله، وإن رميت سهمك فاذكر اسم اللّه‏، فإن غاب عنك يوما فلم تجد منه إلاَّ أثر سهمك فكُل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل».[٨٨]
استدلَّ بهذا الحديث على الاستصحاب بالنحو التالي: «لمَّا كان الأصل في الذبائح التحريم وشكَّ هل وجد الشرط المبيح أم لا، بقي الصيد على أصله في التحريم».[٨٩]
قد يصعب الاستدلال بهذه الرواية على الاستصحاب من منظار أصوليي الشيعة، لما قلنا من تقلُّص معناه لديهم، إلاَّ أنَّها تصلح دليلاً على الاستصحاب بإجماله الذي لدى أهل السنّة.

الدليل الثاني: الإجماع

ادَّعى الإجماع على حجّية الاستصحاب من الشيعة العلاَّمة الحلّي، ففي استدلاله على حجّية الاستصحاب قال: «ولإجماع الفقهاء على أنَّه متى حصل حُكم ثمَّ وقع الشكُّ في أنَّه هل طرأ ما يزيله أم لا؟ وجب الحكم بالبقاء على ما كان أولاً، ولولا القول بالاستصحاب لكان ترجيحا لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح».[٩٠] وادَّعاه كذلك في «نهاية الوصول».[٩١] ويمكن المناقشة في هذا الادّعاء من حيث الصغرى، أي تحقق الإجماع، ومن حيث الكبرى، أي حجّية ذلك الإجماع، أمَّا من حيث الصغرى، فباعتبار وجود مخالفين غير قليلين في حجّية الاستصحاب، منهم السيد المرتضى[٩٢]، وأمَّا من حيث الكبرى، فباعتبار اتّضاح دليل الاستصحاب، وهو الأخبار أو السيرة أو العقل، وعلى فرض ثبوته يكون الإجماع المدَّعى إجماعا مدركيا لاينفع للاستدلال. [٩٣] ومن علماء أهل السنّة ادَّعاه غير واحد منهم، فادّعاه الآمدي في بعض الأحكام الشرعية[٩٤]، وكذلك آل تيمية[٩٥]، والشوكاني[٩٦]، والبرديسي. [٩٧]
وقد ورد الاستدلال به على بعض الأقسام من قبيل: استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل، أو العدم الأزلي أو البراءة العقلية، والتي تعني انتفاء التكليف قبل نزول الشريعة. [٩٨]
ومن غير الواضح المبنى الذي ادّعوا على أساسه الإجماع، لكن من المسلَّم انتفاؤه، والخلاف في الاستصحاب واضح إلاَّ أن يدَّعى الإجماع في موارد وفروع خاصَّة من قبيل البناء على الطهارة عند الشكّ وبعد الإتيان بها، إذا استدلَّ على حكمها بالاستصحاب. وهذا لايثبت أصل الإجماع، بل الحكم في المورد الخاص[٩٩]. هذا مع أنَّ من المحتمل كون الروايات أو الأدلَّة الأخرى الواردة في الأحكام المزبورة هي غير الاستصحاب. [١٠٠] كما لايمكن الاعتماد على ادّعاء الإجماع على بعض أقسامه؛ باعتباره خاصَّا بتلك الأقسام ولايصلح دليلاً على أصل الاستصحاب.

الدليل الثالث: العقل والعمل بالظنّ

وقد قُرِّر هذا الدليل بأنحاء مختلفة: منها: أنَّ الباقي حال بقائه مستغنٍ عن المؤثّر، وإلاَّ لزم تحصيل الحاصل، فيكون الوجود أولى به وإلاَّ افتقر. [١٠١] ومنها: إذا وقع العرض فيكون كالجوهر باقٍ بحدِّ ذاته، والظن غالب بدوامه أكثر من تغيِّره؛ لأنَّ دوامه مستغنٍ عن مؤثر، بينما تغيّره يفتقر إلى مؤثّر. [١٠٢] ومنها: أنَّ ظنَّ البقاء أغلب من ظنِّ التغيّر. [١٠٣] ومنها: أنَّ الباقي مستغنٍ عن المؤثّر والحادث مفتقر إليه، والمستغني عن المؤثّر راجح بالنسبة إلى المفتقر إليه. [١٠٤] ومنها: أنّه لو لم يكن حجّة لما تقررت المعجزة؛ لأنّها فعل خارق للعوائد، ولايحصل هذا الفعل إلاَّ عند تقرير العادة، ولا معنى للعادة إلاَّ العلم بوقوعه على وجه مخصوص في الحال، يقتضي اعتقاد أنّه لو وقع لما وقع إلاَّ على ذلك الوجه، وهذا عين الاستصحاب. [١٠٥] ومنها: أنّه لو لم يكن حجّة لم تكن الأحكام الثابتة في عهد النبي ثابتة في زماننا، واللازم باطل، فكذا الملزوم، وجه الملازمة أنّ دليل ثبوت الأحكام في زماننا هو اعتقاد استمرارها على ما كانت عليه، وهذا هو الاستصحاب، فإذا لم تكن حجّة لم يمكن الحكم بثبوتها، لجواز تطرق النسخ. [١٠٦] ومنها: أنَّ الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق. [١٠٧] ومنها: العقل النظري لا العملي يدرك الملازمة بين ثبوت شيء في الزمن السابق ورجحان بقائه في الأزمنة اللاحقة، فإذا علم الإنسان بثبوت شيء في زمن سابق، ثمَّ طرأ ما يزلزل العلم ببقائه في الزمن اللاحق، فإنَّ العقل يحكم برجحان بقائه ظنّا منه بالبقاء. [١٠٨] وبعض استدلَّ بالعقل على قسم خاص من الاستصحاب، وهو البراءة الأصلية أو العدم الأصلي الأزلي فقال: دلَّ العقل على براءة الذمة من الواجبات وسقوط الحرج عن الحركات والسكنات قبل البعثة. [١٠٩]
وتُردُّ هذه الأدلَّة بما يلي:
أمَّا بطلان الصغرى، فإنَّا كثيرا ما نعلم بحالة سابقة لأمرٍ ولايحصل لنا ظنٌّ ببقائها لمجرّد ثبوتها سابقا، فضلاً عن حصول العلم، ومن المُشكل ادّعاء كون ظنّ البقاء أغلب وأرجح، فإنَّه غير مسلَّم في جميع الحالات[١١٠]، وكذلك بالنسبة إلى أنَّ الباقي لايحتاج إلى مؤثّر، فإنَّه إذا كان ممكنا كان بحاجة إلى مؤثّر، عكس ما لو كان واجب الوجود[١١١]، أي الملازمة منتفية.
وأمَّا بطلان الكبرى، أي حجّية الظنّ، فتثبت بالظنّ حتى لو سلَّمنا بالصغرى، ومن المسلَّم عندنا عدم حجّية الظنّ إلاَّ بدليل آخر يدلُّ على حجّيته، ليستثنى ممَّا دلَّ على حرمة التعبُّد بالظنّ.[١١٢] لكن بناءً على وجوب العمل بمطلق الظنّ فإنَّ هذا الدليل صحيح، كما ذهب إلى ذلك بعض الشافعية. [١١٣] ويخرج الاستدلال بالعقل على بعض أقسام الاستصحاب عن كونه استدلالاً على أصل الاستصحاب وبمطلقه، بل على قسم أو أقسام خاصَّة.

الدليل الرابع: الاستقراء

قُرِّر هذا الدليل بأنحاء مختلفة:
منها: إنَّا تتبَّعنا موارد الشكّ في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع، فلم نجد من أوّل الفقه إلى آخره موردا إلاَّ وحكم الشارع فيه بالبقاء إلاَّ مع أمارة توجب الظنّ بالخلاف. [١١٤]
ومنها: عمل الفقهاء باستصحاب الحال في كثير من المسائل، والموجب للعمل هناك موجود في موضع الخلاف، فيثبت العمل به. [١١٥] ورُدَّ هذا الاستدلال: بأنَّ الاستقراء هنا ناقص ولايمكن أن يفيد الاطمئنان الكامل، كما نوقش في أصل الأمثلة التي ذُكرت على الاستقراء كشواهد[١١٦]، لكنَّه يصلح دليلاً على رأي مَن قال بحجّية مطلق الظن أو حجّية الاستقراء الناقص، كما ذهب إلى ذلك بعض أصوليي السنّة وبخاصة الشافعية منهم.

الدليل الخامس: السيرة العقلائية (بناء العقلاء)

قرَّره الرازي بقوله: «مَن خرج من داره وترك أولاده فيها على حالة مخصوصة، كان اعتقاده لبقائهم على تلك الحالة التي تركهم عليها راجحا على اعتقاده، لتغيّر تلك الحالة ... ، بل لو تأمَّلنا لقطعنا بأنَّ أكثر مصالح العالم ومعاملات الخلق مبني على القول بالاستصحاب».[١١٧]
كما قرَّره الآمدي بقوله: «إنَّ العقلاء وأهل العرف إذا تحقّقوا وجود شيء أو عدمه وله أحكام خاصة به، فإنَّهم يسوّغون القضاء والحكم بها في المستقبل من زمان ذلك الوجود أو العدم، حتَّى أنَّهم يجيزون مراسلة مَن عرفوا وجوده قبل ذلك بمُدَد متطاولة، وإنفاذ الودائع إليه، ويشهدون في الحالة الراهنة بالدَين على مَن أقرَّ به قبل تلك الحالة، ولولا أنَّ الأصل بقاء ما كان على ما كان لما ساغ لهم ذلك».[١١٨]
ورُدَّ هذا الدليل: بأنَّ ذلك لم ينشأ من ظنٍّ بالحالة السابقة وبقاء ما كان، بل لاحتمال بقائه وإصابته الغرض، وذلك من قبيل رمي الهدف بقصد الإصابة، فلا يوجد ظنّ بالإصابة، بل احتمال الإصابة، وقد تكون الإصابة أقلّ احتمالاً من عدمها. [١١٩]
ومن الشيعة مَن تبنَّى هذا الدليل، وعلى رأسهم العلاَّمة الحلّي[١٢٠] وتبعه الكثير، وفُسِّر: بأنَّه عبارة عن بناء العرف والعقلاء من ذوي الأديان وغيرهم على الأخذ بالحالة السابقة عند الشكّ في انتقاضها في الأمور الراجعة إلى معاشهم ومعادهم، بل قد يقال: إنَّ عليه بناء ذوي الشعور من كافة أنواع الحيوان من الوحوش والطيور ونحوهما في رجوعها إلى أوكارها ومأواها. [١٢١] وقد رأى بعض اعتماد نظام العالم وأساس العيش لبني آدم عليه. [١٢٢]
ذلك بمثابة المقدمة الأُولى للاستدلال، والمقدمة الثانية عبارة عن انعدام الردع من قبل الشارع على هذه السيرة، فلابدَّ من تأييده إيَّاها. [١٢٣]
رُدَّت المقدمة الأولى بما يلي: أولاً: منع بناء العقلاء تعبُّدا، بل إذا كان فهو إمَّا رجاءً أو احتياطا أو اطمئنانا بالبقاء أو ظنّا به أو غفلة، كما هو الحال في سائر الحيوانات دائما، وفي الإنسان أحيانا. [١٢٤] ثانيا: البناء مسلَّم في موضع يحصل لهم الظنّ بالبقاء لأجل الغلبة، واعتمادهم دائما على الغلبة سواء وافقت الحالة السابقة أو لم توافق، فلا علاقة له بالحالة السابقة. [١٢٥] ثالثا: البناء المزبور خاص بموارد الشكّ في الرافع لا المقتضي، وعملهم هذا ليس لأجل حصول الاطمئنان بالبقاء أو لمحض رجاء البقاء، فإنَّ ذلك غير حاصل مع الشكّ فيه، بل عملهم فيه لجريان فطرتهم على ذلك، وأنَّ بقاء المتيقّن من المرتكزات في أذهان العقلاء، لكن عند الشكّ في الرافع فحسب، أي أنَّ الارتكاز العرفي يصرف البناء إلى حالة الشك في الرافع فقط. [١٢٦]
وأجيب عن الأوَّل والثاني: بأنَّ المراد من بناء العقلاء ثبوت بنائهم على قاعدةٍ ما، ورغم غفلة بعضهم في العمل وفق هذه القاعدة أحيانا، إلاَّ أنَّ ذلك لايضرُّ في ثبوت البناء مع الالتفات دائما، هذا مع أنَّه لايضرُّ كذلك منشأ وسبب بنائهم على هذه القاعدة، فقد يكون الاطمئنان بالحالة السابقة وقد يكون الغلبة أو أي شيء آخر، ومن غير الضروري أن يكون بناؤهم ناشئا عن التعبُّد من قبل الشارع، فإذا أحرز الإمضاء كفى في إثبات الحجّية.
نعم، قد يضرُّ باستكشاف ثبوت القاعدة لدى الشارع إذا كان منشأ البناء رجاء تحصيل الواقع؛ لأنَّها عندئذٍ لا تعدُّ قاعدة تخصُّ الحالة السابقة، بل هي عمل وفق الرجاء، وكذلك الحال فيما إذا كان منشأ عملهم الاحتياط، فإنَّ الأخير يسقط البناء كقاعدة؛ لأنَّه قد يقتضي البناء على عدم البقاء لا البقاء نفسه، إلاَّ أنَّ هذه الاحتمالات ساقطة واحتمال البناء على الرجاء والاحتياط بعيد جدا، والأقوى كونهم قد بنوا على الحالة السابقة للاطمئنان أو الظن أو التعبُّد. [١٢٧]
وأجيب عن الثالث: بأنَّه على فرض صحته لاينفي أصل البناء، بل يخصُّه بحالة الشكِّ في الرفع، فالقول به يعني الذهاب إلى التفصيل في حجّية الاستصحاب، كما يقرُّ بذلك مُدّعيه ويعتبره القدر المتيقّن المستفاد من السيرة. [١٢٨]
وقد رُدَّت المقدمة الثانية ـ وهي إمضاء الشارع للسيرة ـ بعدم إحراز رضا الشارع وإمضائه لهذا البناء، بل يكفي في الردع ما دلَّ من الكتاب والسنّة على النهي عن اتّباع غير العلم، وكذلك ما دلَّ على البراءة والاحتياط في الشبهات. [١٢٩]
إلاَّ أنَّ هذا الردَّ بالآيات والروايات، مدفوع بكون المراد منها النهي عن اتّباع غير العلم ـ الذي يراد به إثبات الواقع ـ بينما لايراد من الاستصحاب إثبات الواقع، بل يراد منه تحديد الوظيفة العملية[١٣٠]، أو يراد من الظنّ هنا الظنون الواهية والخيالية والتخرُّصات الناشئة عن الأهواء النفسية التي لا أساس لها، ويشهد على ذلك ثلاثة أمور:
1 ـ ورودها في المشركين وفي مقام نقد عبادتهم الأصنامَ التي اعتمدت في الأصل الأوهام والخيالات.
2 ـ لو كان المراد منها مطلق الظنِّ للَزِم التخصيص بها لمطلق موارد الظنِّ، مثل العمل بالظواهر وخبر الواحد، مع أنَّ لحنها آبٍ عن هذا التخصيص.
3 ـ الظاهر ورودها في أصول الدين والمسائل الاعتقادية، فلا تشمل الفروع. [١٣١]
وبالنسبة إلى أدلَّة البراءة والاحتياط فتعدُّ في عرض أدلَّة الاستصحاب، وموضوع كلٍّ منهما هو الشكُّ فلا تصلح للردع، بل أدلَّة الاستصحاب تقدَّم على أدلَّة الاحتياط والبراءة؛ لما فيها من جانب الكشف والإحراز. [١٣٢]

القول الثاني: عدم حجّيته مطلقا

الأدلَّة التالية استدلَّ بها، أو يمكن أن يستدلَّ بها على نفي حجّية الاستصحاب مطلقا:

الدليل الأوَّل: عدم الدليل على الإثبات

علاء الدين البخاري بعد ما يذكر أدلَّة القائلين بالاستصحاب يقول: «لم يدلّ شيء منها على بقاء الحكم بعد الثبوت، فكان العمل بالاستصحاب عملاً بلا دليل، وكيف يجعل حجّة لإبقاء ما كان على ما كان، والبقاء لايضاف إلى الدليل الموجب، بل حكمه الثبوت لا غير».[١٣٣] وبرغم أنّه لم ترد عبارة صريحة عن السيد المرتضى في ردّ الاستصحاب، إلاّ أنّه بعد ما يذكر أمثلة فقهية تحتمل ابتناء أحكامها على الاستصحاب يردّها ويرجع أدلّتها إلى أدلَّة أخرى غير الاستصحاب. [١٣٤]

الدليل الثاني: الآيات والروايات الناهية عن العمل بالظنّ

هناك آيات وروايات نهت عن العمل بالظنّ، وهي من قبيل: «إنَّ الظنَّ لايغني من الحق شيئا» [١٣٥]، وقول المعصوم عليه‏السلام: «الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»[١٣٦]، و«... المؤمنون وقَّافون عند الشبهات»[١٣٧]، وباعتبار أنَّ أقصى ما يثبت الاستصحاب هو الظنّ، وهو منهيٌّ عنه بهذه الآيات والروايات، ولا دليل على حجّية مثله، وأنَّه لايجوز إثبات المسائل الأصولية بـ: أخبار الآحاد. [١٣٨]

الدليل الثالث: لزوم التوقُّف في مجهول الحكم

ورد هذا الاستدلال عن البحراني، إذ قال في ردّ الاحتجاج بالاستصحاب: «إنَّ هذا الموضع من المواضع غير المعلوم حكمه تعالى فيها في غير ما دلَّت عليه النصوص، وقد تواترت الأخبار في مثل ذلك بوجوب التوقُّف والاحتياط».[١٣٩]

الدليل الرابع: عدم القطع ببقاء الحالة السابقة

وهذا الدليل يعني أنَّ طروَّ الشكِّ على الحالة السابقة لم يبقِ قطعا ويقينا لدينا ببقائها، ولو بقي هكذا يقين لَلَزِم القطع بعدم خروج زيد من الدار إذا علمنا بوجوده فيها ولم نعلم بخروجه إلاَّ بدليل متجدِّد، ولو كان الاستصحاب حجة لَلَزِم القطع ببقاء زيد. [١٤٠]
رُدَّ هذا: بأنَّ القائلين بالاستصحاب لايدَّعون القطع، لكنَّهم يدَّعون رجحان الاعتقاد ببقائها، وهذا كافٍ في العمل به. [١٤١]

الدليل الخامس: استلزام الحجّية تقديم بيِّنة النافي

وهذا الدليل يعني أنَّ لازم القول بحجّية الاستصحاب تقديم بيِّنة النافي على بيِّنة المُثبت؛ لكونها معتضدة باستصحاب النفي، مع أنَّ الواقع غير ذلك، بل الإجماع قائم على تقديم بيِّنة الإثبات على بيِّنة النفي. [١٤٢]
رُدَّ هذا بمنع الملازمة لوجوه:
الأوَّل: أنَّها تصحُّ فيما إذا حصل الظنّ بكلا البيِّنتين وكان الاستصحاب مؤيدا لأحدهما، مع أنَّ الظنّ لايحصل إلاَّ ببيِّنة المُثبت؛ لأنَّه من المستبعد أن يُظنَّ المعدوم موجودا بينما لايستبعد أن يظنَّ الموجود معدوما.
الثاني: المُثبت يدَّعي العلم بالوجود بالطرق القطعية، بينما النافي يدَّعي عدم العلم الظنّي، والنفس تميل إلى دفع غير الملائم أكثر من جلب الملائم. [١٤٣]. أو إنَّما كان ذلك لعدم اطّلاع النافي عليه، وإمكان حدوث المُثبت حالة غيبة النافي وتعذّر صحبة النافي للمورد دائما واطّلاعه عليه في سائر الأوقات. [١٤٤]

الدليل السادس: تقديم القياس على الأصل

مع جواز القياس ينتفي الرجوع إلى الأصل، والقياس يرفع حكم الأصل. يرد عليه:
أولاً: أنَّ الفرض في العمل بالاستصحاب هو مع انتفاء الأدلَّة التي تسبق الاستصحاب في المكانة بعد الفحص، ولا مجال لإعمال الاستصحاب مع وجود هكذا أدلَّة.
ثانيا: مجرَّد احتمال وجود قياس رافع ودليل ينفي موضوع الاستصحاب لاينافي ولايضرُّ بحجّيته المظنونة. [١٤٥]

الدليل السابع: التمسك بالاستصحاب يؤدي إلى التعارض

إنَّ التمسّك بالاستصحاب يؤدّي إلى التعارض في الأدلَّة، فإنَّ مَن استصحب حكما من صحة فعلٍ له وسقوط فرض، كان لخصمه أن يستصحب خلافه في مقابلته، كما لو قيل: إنَّ المتيمّم إذا رأى الماء قبل صلاته وجب عليه التوضؤ، فكذلك إذا رآه بعد دخوله في الصلاة باستصحاب ذلك الوجوب، أمكن أن يعارض بأنَّ الإجماع قد انعقد على صحة شروعه في الصلاة وانعقاد الإحرام، وقد وقع الاشتباه في بقائه بعد رؤية الماء في الصلاة، فيحكم ببقائه بطريق الاستصحاب، وما أدَّى إلى مثل هذا كان باطلاً. [١٤٦] رُدَّ هذا بما يلي:
أولاً: هذا التعارض في المثال واضح، لكنَّه من نوع التعارض البدوي؛ لأنَّ وجوب الوضوء عليه في المثال الأوَّل إنَّما هو بحكم الاستصحاب التعليقي كما يدلُّ عليه مفاد الشرط بقوله: (إذا رأى...) وعدم وجوبه في المثال الثاني بالاستصحاب التنجيزي، والاستصحاب التنجيزي مقدَّم على الاستصحاب التعليقي، على ما هو التحقيق في ذلك.
ثانيا: التعارض المزبور لايفترض في جميع صور الاستصحاب، فالدليل ـ لو تمَّ ـ أضيق من المدَّعى. [١٤٧]

القول الثالث: التفصيل بين العدمي والوجودي

وهذا القول يقضي باعتبار الاستصحاب في الأمر العدمي وعدم اعتباره في الوجودي، استظهره التفتازاني من عبارة العضدي[١٤٨]، إذ قال: «إنَّ خلاف الحنفية المنكرين للاستصحاب إنَّما هو في الإثبات دون النفي الأصلي».[١٤٩]
وقد استدلَّ على هذا الرأي: بأنَّ النفي ليس كالإثبات، فالأخير بحاجة إلى دليل يثبته، بينما النفي والعدم لا حاجة إلى ما يثبته؛ لأنّه لو كان لقامت دلالة عليه، ولم تقم، فلابدَّ وأنَّه غير ثابت، ولهذا ننفي وجوب صلاة سادسة وصيام زائد على شهر رمضان. وباعتبار أنَّ العدميات غير متناهية والوجوديات متناهية، فإنَّ حاجتنا إلى الدليل لإثبات العدميات تقتضي إثبات اللامتناهي، وليس كذلك الحال في الوجوديات. [١٥٠]
رُدَّ هذا الرأي بأمور:
أولاً: أنَّ القول باعتبار الاستصحاب في العدميات يغنينا عن الكلام باعتباره في الوجوديات؛ باعتبار أنَّ الاستصحاب في الوجودي يتزامن دائما مع استصحاب عدمي، فإنَّ إثبات شيء يستلزم نفي ضدّه، فإثبات الطهارة يستلزم عدم النجاسة وإثبات الحياة يستلزم نفي الموت وعدمه، والظن بالأعدام المزبورة لاينفك عن الظنّ ببقاء الموجودات المضادة، فإذا قيل باعتبار أحدها لا بدَّ من القول باعتبار مضادها كذلك. [١٥١]
ثانيا: الأدلَّة الواردة على الاستصحاب وبخاصة الأخبار مطلقة أو عامة، ولم تقيّد بالعدميات أو الوجوديّات، فقد ورد فيها: «لاتنقض اليقين بالشكّ» وهذا واضح في الإطلاق. [١٥٢]
ثالثا: لا تفاوت في المستصحب أو الأثر المترتب عليه بين ما إذا كان أمرا وجوديا أو عدميا، فالتكاليف عموما بيد الشارع، فإذا كان نفي التكليف بيد الشارع، فلابدَّ من كون إثباته كذلك، ونسبتهما إلى المشرِّع واحدة. [١٥٣] .

القول الرابع: التفصيل بين الأحكام الشرعية والأمور الخارجية

أو التفصيل بين الشبهة الحكمية و الشبهة الموضوعية؛ وهذا القول يذهب إلى حجّية الاستصحاب في الأحكام الشرعية وعدم حجيّته في الأمور الخارجية، ونسب إلى جماعة[١٥٤]. واستظهره كذلك المحقّق القمي من السبزواري من: أنّ الأخبار لايظهر شمولها للأمور الخارجية ـ مثل رطوبة الثوب ونحوها ـ إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الذي ليس حكما شرعيا، وإن كان يمكن أن يصير منشأً لحكم شرعي. [١٥٥]
رُدَّ هذا بإطلاق الأدلَّة وشمولها للأحكام والأمور الخارجية، فإنَّ عدم جواز نقض اليقين بالشكّ كما يرجع إلى الطهارة عن الحدث والخبث، يرجع كذلك إلى عدم النجاسة وعدم وصول النجس وعدم حصول ما يوجب الحدث كالنوم. هذا مضافا إلى أنَّ بعض الروايات وردت في أمور خارجية مثل الثوب. [١٥٦]

القول الخامس: التفصيل بين الحكم الشرعي الكلّي وغيره

بناءً على هذا الرأي لايعتبر الاستصحاب في الحكم الكلّي ويعتبر في غيره، فيجري في موارد الشكّ بالشبهات الموضوعية ولايجري في الأحكام الكلّية، سواء أكانت وضعية أم تكليفية، واستثنوا منها استصحاب عدم النسخ، بدعوى قيام الإجماع أو لضرورة في اعتبار العمل بالاستصحاب في أحكام اللّه‏. وهو اختيار[١٥٧] بعض الأخباريين كـ: المحدّث الأسترآبادي. [١٥٨]
استدلَّ على هذا الرأي بدليلين:
الأوَّل: عدم شمول أدلَّة الاستصحاب للحكم الكلّي.
الثاني: لا حاجة للعمل بالاستصحاب؛ باعتبار أنَّ ما من واقعة إلاَّ ولها حكم. يردُّ الدليل الأوَّل بما تقدَّم: من كون أدلَّة الاستصحاب عامة ولا دليل على تخصيصها أو صرفها عن الحكم الكلّي. [١٥٩] ويردُّ الدليل الثاني: بأنَّ الفرض في العمل بالاستصحاب هو عدم العثور على دليل كاشف عن الحكم في الواقعة المراد إجراء الاستصحاب فيها. [١٦٠]
أشكل على إجراء الاستصحاب في الحكم الكلّي باعتبار أنَّ الشكَّ في بقاء الحكم يرجع إلى الشكّ في بقاء موضوعه، من حيث احتمال حصول بعض التغييرات حدوثا أو بقاءً، ولو كنّا على يقين من عدم تغيّر الموضوع فلا شكَّ في بقاء الموضوع وما تخلَّف الحكم عن الموضوع.
رُدَّ هذا الإشكال بما يلي: أولاً: عدم الفرق بين استصحاب الحكم الكلّي وبين استصحاب الموضوعات الخارجية. ثانيا: أنَّ النظرة العرفية للموضوع كافية، ولم تفرض النظرة الدقيقة، والعرف يرى اتحاد الموضوع في الزمنين، ولايفرّق بين الموارد المزبورة. [١٦١]

رأي السيّد الخوئي

السيّد الخوئي ممَّن ذهب إلى هذا القول، لكنَّه ألحق الأحكام الترخيصية بالموضوعات الخارجية، ولم يرَ مانعا من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الوضعية كالطهارة من الخبث والحدث، ولأجل بيان رأيه: قسَّم الشكّ في بقاء الحكم باعتبار منشئه إلى الأقسام الثلاثة التالية:
1 ـ الشكّ الناشئ عن الشكّ في أصل الجعل من حيث السعة والضيق، كالشكّ في الحكم من حيث شموله لجميع الأزمنة أو تقييده ببعضها. واستصحاب بقاء الحكم في هذه الحالة معارض باستصحاب العدم الأزلي، فكما يصحُّ استصحاب بقاء الوجوب، باعتبار أنَّ الجعل أمر حادث، يصحّ استصحاب بقاء عدم الجعل كذلك.
2 ـ الشكّ الناشئ عن الشكّ في المجعول بعد العلم بأنَّ أصل الجعل شامل وغير محدّد بزمان، وهذا الشكّ يرجع في حقيقته إلى الشكّ في كيفية جعل الحكم من حيث إطلاق المجعول أو اختصاصه بزمان أو موضوع ما، وهو من قبيل الشكّ في أنَّ نجاسة الماء المتغيّر مختصة بحال تغيّره، أو أنَّها تعمُّ حال زوال تغيّره بنفسه أيضا، مع القطع بأنَّ نجاسة الماء المتغيّر غير مختصة بزمان.
وفي هذه الصورة، إذا كان الفرد المشكوك مغايرا للفرد المتيقَّن بنظر العرف فلا يجري الاستصحاب؛ لعدم تمامية أركانه.
3 ـ الشكّ الناشئ عن اشتباه الأمور الخارجية، من قبيل الشكّ في بقاء وجوب الإمساك في شهر رمضان بسبب الشكّ في بقاء النهار، فاستصحاب بقاء وجوب الإمساك معارض باستصحاب العدم الأزلي، ولا بأس باستصحاب بقاء النهار، والحكم ببقاء وجوب الإمساك؛ لأنَّ موضوعه محرز بالتعبُّد، وهو استصحاب موضوعي لا إشكال فيه.
أمَّا الأحكام الترخيصية مثل الإباحة، فلا مانع من استصحابها؛ لعدم جريان استصحاب العدم الأزلي فيها لكي يكون معارضا، فإنَّها متوافقة مع استصحاب العدم في رفع التكليف، وهي لا تحتاج إلى بيان؛ باعتبار أنَّ مطلق الأشياء قبل الشريعة كانت مرفوعة، عكس المحرّمات، فهي تحتاج إلى بيان. [١٦٢]
أورد عليه ما يلي: أولاً: أنَّ هذا ليس تفصيلاً في الاستصحاب، وذلك لعدم صدق مفهوم الاستصحاب على الصور المزبورة، لفقدها بعض أركانه، أي اليقين السابق أو الشكّ اللاحق. ثانيا: لا وجه للتفريق بين الأحكام المزبورة، بعد فرض أنَّ جميعها بيد الشارع وضعا ورفعا. [١٦٣]

القول السادس: التفصيل بين الحكم الجزئي وغيره

من غير المعلوم أن يكون لهذا الرأي قائل، لكن ربَّما يستظهر من كلام المحقّق الخوانساري على ما حكاه السيّد في (شرح الوافية) [١٦٤]. وعلى فرض وجود قائل به، فإنَّ أدلَّته لا تخلو أن تكون نفس أدلَّة التفصيل بين الحكم الشرعي الكلّي وبين غيره، أو أدلَّة التفصيل بين الأمور الخارجية وغيرها، فراجع. [١٦٥]

القول السابع: التفصيل بين الحكم التكليفي والوضعي

وهو القول بجريان الاستصحاب في الأحكام الوضعية دون التكليفية. ذهب إلى هذا الرأي الفاضل التوني وقدَّم إليه مقدَّمات.
قسَّم الفاضل التوني الحكم إلى ستة أقسام هي: الأحكام الاقتضائية، المطلوب فيها الفعل (الواجب والمندوب)، والمطلوب فيها الترك والكفّ (الحرام والمكروه)، والتخييرية (الإباحة) و(الوضعية).
ثمَّ استدلَّ على رأيه بأنَّ الأمر والطلب إذا كان مؤقتا، فإنَّ ثبوت الندب أو الوجوب في كلِّ جزء من أجزاء الوقت ثابتا بنفس الطلب والأمر، وإثباته في الزمان الثاني بحاجة إلى نصٍّ لا باستصحاب نفس الطلب والأمر الأوَّل، وإذا لم يكن مؤقتا فبحاجة إلى نصٍّ كذلك إذا دلَّ الأمر على التكرار، وإلاَّ فذمّته تكون مشغولة حتَّى يأتي به في أيّ زمان كان، ونسبة أجزاء الزمان إليه نسبة واحدة في كونه أداءً في جميعها. وهذا أيضا لا مورد للاستصحاب فيه، ولم يكن من قبيل تطبيق الاستصحاب.
ولايمكن القول بأنَّ إثبات الحكم في القسم خارج وقته من موارد تطبيق الاستصحاب، فإنَّ هذا لايجوز إجماعا، ولم يقل به أحد.
وكذا الكلام في النهي الحرام والمكروه، فهو أولى بعدم توهُّم إجراء الاستصحاب فيه؛ لأنَّ مطلقه لايفيد التكرار، وكذلك حال التخييري، والاستصحاب لايتصوَّر فيها.
أمَّا الأحكام الوضعية وهي السببية والشرطية والمانعية، فينبغي النظر في كيفيتها ما إذا كانت مطلقة دون تقييد بزمان ـ كالإيجاب والقبول ـ أو مقيّدة بوقت معيَّن ـ كالدلوك سببا للصلاة وكذا الكسوف ـ إذ في الأخير يكون السبب وقتا للحكم. ثمَّ يقول: فظهر ممَّا مرَّ أنَّ الاستصحاب المختلف فيه لايكون إلاَّ في الأحكام الوضعية. [١٦٦]
بالطبع لاينفي وقوع الاستصحاب في الأحكام التكليفيه، لكنه يرجعه إلى الاستصحاب في الأحكام الوضعية، حيث يقول: «ووقوعه في الأحكام الخمسة إنّما هو بتبعيّتها، كما يقال في ماء الكرّ المتغيّر بالنجاسة إذا زال تغيُّره من قبل نفسه: بأنّه يجب الاجتناب عنه في الصلاة؛ لوجوبه قبل زوال تغيُّره، فإنّ مرجعه إلى أنّ النجاسة كانت ثابتة قبل زوال تغيُّره، فتكون كذلك بعده، ويقال في المتيمِّم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة: إنّ صلاته كانت صحيحة قبل الوجدان، فكذا بعده، أي كان مكلّفا ومأمورا بالصلاة بتيمّمه قبله، فكذا بعده، فإنّ مرجعه إلى أنّه كان متطهّرا قبل وجدان الماء، فكذا بعده، والطهارة من الشروط».[١٦٧]
رُدَّ بالأمور التالية:
أولاً: المحقّق العراقي يرجع تفصيله إلى تخيُّل أنَّ الأحكام الوضعية أمور عقلية انتزاعية، لاتكون بنفسها أثرا مجعولاً ولا موضوعا لأثر كذلك حتَّى يجري فيها الاستصحاب، أي أنّها ليست من الأمور المجعولة بيد الشارع مباشرةً، فيمكن استصحاب بقائها، وهذا التخيُّل فاسد، فإنَّها قد تكون مجعولة وقد تكون موضوعا لأثر مجعول. [١٦٨]
ثانياً: قصر حجّية الاستصحاب على الأحكام الوضعية دعوى دون برهان، ولم يأتِ الفاضل التوني ببرهان عليه، مع أنَّ أدلَّة الاستصحاب عامة وليس هناك ما يدلُّ على تقييدها أو صرفها عن الأحكام التكليفية. [١٦٩]
ثالثاً: التحقيق يثبت أنَّ الأحكام الوضعية غير محدودة بالثلاثة (الأسباب والشرائط والموانع) التي ذكرها، بل هي أكثر بكثير، مثل الصحة والفساد والرخصة والعزيمة. [١٧٠] وهناك إشكالات أخرى أطال فيها الشيخ الأنصاري. [١٧١]

القول الثامن: التفصيل بين ما ثبت بالإجماع وبين غيره

وهو القول بحجّية الاستصحاب في الموارد الثابتة بغير الإجماع، وعدم حجّيته في الموارد الثابتة بالإجماع، وشأن الاستصحاب هنا يرجع إلى الحكم الشرعي، بأن يتفَّق على حكم في حالة ثمَّ تتغيَّر صفة المجمع عليه، فيختلفون فيه، فيستدلّ مَن لم يغيّر الحكم باستصحاب الحال. [١٧٢] ذهب الأكثرون [أي من الشافعية] منهم: القاضي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصبَّاغ، والغزالي إلى أنَّه ليس حجّة. [١٧٣] وقال الأستاذ أبو منصور: وهو قول جمهور أهل الحق من الطوائف، وقال الماوردي والروياني في كتاب القضاء: إنَّه قول الشافعي وجمهور العلماء. [١٧٤]
وحجّة هؤلاء: أنَّ الإجماع إنَّما كان على الصفة التي كانت قبل محلّ النزاع، كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة، فأمَّا بعد الرؤية فلا إجماع، فليس هناك ما يستصحب... وقال آخرون: الحكم ثبت بالإجماع وقد زال الإجماع، فالمفروض زوال الحكم كذلك، وإثباته يكون بلا دليل. [١٧٥]
رُدَّ هذا: بأنَّ المتبدِّل هنا هو حال المحلّ المجمع على حُكمه أولاً كتبدُّل زمانه ومكانه وشخصه، وتبدُّل هذه الأمور وتغيّرها لايمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبدُّل، فكذلك تبدُّل وصفه وحاله لايمنع الاستصحاب حتَّى يقوم دليل على أنَّ الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلاً للحُكم مثبتا لضدّه، كجعل تخليل الخمرة ناقلاً للحُكم بتحريمها. [١٧٦]
الغزالي مثَّل لهذا الرأي بالمتيمِّم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة، فإنّه يمضي فيها؛ لأنَّ الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها... فنحن نستصحب دوام الصلاة إلى أن يدلَّ دليل على كون رؤية الماء قاطعا للصلاة.
واعتبر هذا فاسدا مستدلاًّ على رأيه بقوله: لأنَّ هذا المستصحب لايخلو إمَّا أن يقرّ بأنَّه لم يقم دليلاً في المسألة لكن قال: أنا نافٍ ولا دليل على النافي، وإمَّا أن يظنَّ أنَّه أقام دليلاً، فإن أقرَّ بأنَّه لم يدلّ فسنبيِّن وجوب الدليل على النافي، وإن ظنَّ أنَّه أقام دليلاً فقد أخطأ، فإنَّا نقول: إنَّما يستدام الحُكم الذي دلَّ الدليل على دوامه، فالدليل على دوام الصلاة ههنا لفظ الشارع أو إجماع، فإن كان لفظا فلا بدَّ من بيان ذلك اللفظ، فلعلّه يدلّ على دوامها عند العدم لا عند الوجود، فإن دلَّ بعمومه على دوامها عند العدم والوجود جميعا كان ذلك تمسكا بالعموم عند القائلين به، فيجب إظهار دليل التخصيص. وإن كان بإجماع فالإجماع منعقد على دوام الصلاة عند العدم، أمَّا حال الوجود فهو مختلف فيه، ولا إجماع مع الخلاف، ولو كان الإجماع شاملاً حال الوجود لكان المخالف خارقا للإجماع. [١٧٧]
رُدَّ هذا بالأمور التالية:
أولاً: ما ذكر من وجه في عدم جريان الاستصحاب في محلّ الإجماع جارٍ في بعض الصور في غير الإجماع، فإنَّه إذا ورد النصّ على وجه يكون ساكتا بالنسبة إلى ما بعد الحالة الأولى ـ كما إذا ورد أنَّ الماء ينجس بالتغيّر ـ مع فرض عدم إشعار فيه بحكم ما بعد زوال التغيُّر، فإنَّ وجود هذا الدليل ـ بوصف كونه دليلاً ـ مقطوع العدم في الحالة الثانية، كما في الإجماع. [١٧٨]
ثانيا: أدلَّة حجّية الاستصحاب مطلقة ولم تفرّق بين ما ثبت بالإجماع وغيره. [١٧٩]
ثالثا: بعض الأمثلة التي ذكرها مثل الغزالي في المورد ليست من موارد الاستصحاب، وتفتقد بعض أركانه من قبيل الشك. [١٨٠]

القول التاسع: التفصيل بين الشكّ في المقتضي والرافع

ذهب إلى هذا الرأي المحقّق الحلّي [١٨١]، والخوانساري[١٨٢]، وقوَّاه الشيخ الأنصاري. [١٨٣]
استدلَّ المحقّق على رأيه بما يلي:
ينبغي النظر في الدليل المقتضي للحكم، فإن كان يقتضي الحكم على الإطلاق وجب الحكم باستمرار الحكم، مثل عقد النكاح الذي يقتضي الاستمرار مطلقا، فإذا شككنا فيما يوجب الطلاق من الألفاظ كقوله: (أنتِ خلية أو بريّة) استصحبنا عقد النكاح لشكّنا في رافعية الألفاظ المزبورة، مع أنَّ وقوع العقد اقتضى حِلّ الوط‏ء غير مقيّد بزمان، فلزم دوام الحِلّ، فيجب استمراره حتَّى يثبت الرافع. [١٨٤]
رُدَّ هذا الدليل: بأنَّ الحكم بوجود شيء لايتمُّ إلاَّ إذا علمنا بعلّته التامة والتي يعدُّ عدم الرافع من أجزائها، وعدم العلم بعدم الرافع يؤدّي إلى عدم العلم بالعلّة التامّة إلاَّ إذا عبَّدنا الشارع بالحكم بالعدم عند عدم العلم، وهذا عين الكلام في أصل الاستصحاب لا في التفصيل المزبور. [١٨٥]
فصَّل الشيخ الأنصاري هذا القول وأخرجه عن الإجمال، وفسَّر الشكّ من جهة المقتضي بالشكّ من حيث استعداد المستصحب وقابليته في ذاته للبقاء، كالشكّ في بقاء الليل والنهار وخيار الغبن بعد الزمان الأوَّل.
ويتحقَّق الشكّ في الرافع مع القطع باستعداد المستصحب للبقاء، وهو من قبيل الشكّ في حدوث البول. وقد يكون في رافعية الموجود، إمَّا لعدم تعيّن المستصحب وتردّده بين ما يكون الموجود رافعا، وبين ما لايكون كأداء صلاة الظهر المشكوك كونه رافعا لشغل الذمة بالصلاة المكلَّف بها قبل العصر يوم الجمعة من جهة تردُّده بين الظهر والجمعة، وإمَّا للجهل بصفة الموجود من كونه رافعا كالمذي، أو مصداقا لرافع معلوم المفهوم كالرطوبة المردَّدة بين البول والودي أو مجهول المفهوم. [١٨٦] وبذلك لا حاجة للإطالة في ذكر الاحتمالات الواردة في تفسير كلام الشيخ الأنصاري من المقتضي، وذكر الاحتمالات الواردة هنا، والتي قد تكون أجنبية عن المراد[١٨٧]، كما فعل بعض. [١٨٨] استدلَّ الشيخ الأنصاري على رأيه بدليل آخر اعتمد على مفردة «النقض» الواردة في بعض الروايات، فقد استظهر منها: أنَّ النقض يعني رفع الهيئة الاتصالية أو رفع الأمر المستمر وقطع الشيء المستمر، فلابدَّ أن يكون ما ينقض أو المتعلّق له قابلية الاستمرار، وبما أنَّ اليقين نفسه وأوصافه تنتقض من قبل المكلَّف دون اختيار فلا يقع حيّزا للتحريم، فلا بدَّ أن يكون المراد ـ بدلالة الاقتضاء ـ الأحكام الثابتة للمتيقّن بواسطة اليقين. ثمَّ يتأمَّل الشيخ في جريان هذا المعنى في المستصحب العدمي. [١٨٩]
وقد رُدَّ هذا الدليل بما يلي:
الأوّل: بالنقض، باعتبار أنَّ عدم جريان الاستصحاب في موارد الشكّ في المقتضي يستلزم القول بعدم جريانه في موارد الشكّ في النسخ، من حيث عدم علمنا عندئذٍ بالجعل ما إذا كان موسّعا شاملاً لجميع الأزمنة أو غير شامل ولا موسّع، كما يستلزم عدم جريانه في الموضوعات الخارجية، من حيث عدم علمنا بقابليتها للبقاء إلى الأبد فإنَّها غير منضبطة من هذه الحيثية، كما يستلزم عدم جريانه في موارد الشكّ في حصول الغاية حتَّى من جهة الشبهة الموضوعية؛ لأنَّ الشكَّ فيها يرجع إلى الشكّ في المقتضي، فإنَّ الشكَّ في وقت أداء صلاة الصبح عند الشكّ في طلوع الشمس يعود إلى الشكّ في قابلية الوقت للامتداد أكثر من ساعة أو ما شابه. مع أنَّ الذين يذهبون إلى هذا القول لايقرّون بهذه اللوازم. [١٩٠]
الثاني: بالحلّ، باعتبار أنَّ الدقة الفلسفية إذا كانت هي الملاك في صدق نقض اليقين بالشكّ فينبغي تعطيل الاستصحاب بالكلّية، بدليل أنَّ اليقين غير موجود حال الشكّ في موارد الاستصحاب إلاَّ بالإضافة إلى ما قبل زمان الشكّ. وإن كان النظر العرفي هو الملاك في صدق النقض، فلا داعي لاختصاصه بموارد الشكّ في الرافع، مع أنَّ تطبيقات الاستصحاب في الروايات تفيد كون النظر العرفي هو الملاك. [١٩١]
الثالث: تفسير الشيخ الأنصاري النقض برفع الهيئة الاتصالية يخالف معناه لغةً، وهو إفساد المبرم، ويقابله الإبرام، وتفسير الشيخ يقابله الانفصال. [١٩٢]
الرابع: هذا الرأي يستدعي التصرّف في اليقين الوارد في الروايات والقول بإرادة المتيقّن منه، كما يقرُّ الشيخ نفسه بذلك واعتباره اليقين ونقضه غير اختياري، مع أنَّه من غير الصحيح استعمال اليقين وإرادة المتيقّن منه على نحو الإسناد اللفظي إلاَّ من باب المجاز أو حذف المضاف، والأخيران بعيدان كلّ البعد؛ باعتبار انعدام العلاقة المصحِّحة للاستخدام المجازي بين المفردتين، وتقدير المضاف بحاجة إلى قرينة، وهي منعدمة هنا. [١٩٣]
وقد يُردُّ هذا بما ورد عن الآخوند الخراساني من أنَّ اليقين وإن استعمل في معناه الحقيقي لكن إسناد النقض إليه بلحاظ المتيقّن لا اليقين نفسه، وذلك من باب أنَّ عنوان اليقين من العناوين الآلية المرآتية ذات الإضافة، فإنَّ مصاديقه مرآة لمصاديق المتيقّن. [١٩٤]
إلاَّ أنَّ هذا مرفوض، بأنَّ معنى فناء العنوان بالمعنون كون الشيء له لحاظان: لحاظ بالحمل الأوَّلي، والآخر بالشائع، وهو بأحد اللحاظين غيره في اللحاظ الآخر، وهذا يكون في المفاهيم والوجودات الذهنية التي هي بالحمل الشائع غيرها بالحمل الأوَّلي، فمفهوم الحيوان بالحمل الأوَّلي حيوان؛ لأنَّه عنوانه وصورته، ولكنَّه بالحمل الشائع صورة في الذهن، وهذا يجعل التعامل معه بنحو الفناء بمعنى أنَّ الأحكام والمحمولات تحمل عليه بما هو بالحمل الأوَّلي لا بالحمل الشائع، فيقال: إنَّ هذا العنوان أو المفهوم لوحظ فانيا في معنونه ومصداقه، أي ليس الحكم عليه بما هو هو وبالحمل الشائع. [١٩٥]
الخامس: هناك أدلّة ذكرت للاستصحاب هى غير الروايات، مثل السيرة العقلائية، بل هي الأساس في أدلَّة الاستصحاب [١٩٦] وهناك روايات لم تتضمَّن مفردة النقض التي ابتنى عليها استدلال الشيخ الأنصاري، مثل: رواية إسحاق بن عمّار التي ورد فيها: «وإذا شككت فابنِ على اليقين»، وخبر محمد بن مسلم الذي تضمَّن: «مَن كان على يقين فشكّ، فليمضِ على يقينه، فإنَّ اليقين لايدفع بالشكّ».[١٩٧]

القول العاشر: التفصيل بين الشكّ في وجود الغاية وعدمه، أو في الرافع ورافعية الموجود

حكى هذا القول المحقّق القمي[١٩٨] والشيخ الأنصاري[١٩٩] عن المحقّق السبزواري، وبناءً على هذا القول مع اختصاص الاستصحاب بالشكّ في الرافع يخصَّص الشكّ بوجود الغاية. [٢٠٠]
المحقّق السبزواري يقسّم الشكّ إلى أربعة أقسام هي:
1 ـ الشكّ في وجود الرافع.
2 ـ الشكّ في رافعية الشيء من جهة إجمال معنى ذلك الشيء.
3 ـ الشكّ في كون الشيء مصداقا للرافع المبيَّن مفهوما.
4 ـ الشكّ في كون الشيء رافعا مستقلاً.
ثمَّ يعتبر جريان الاستصحاب خاصا بالقسم الأوَّل؛ باعتبار ما ورد في صحيحة زرارة: «ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا، ولكن تنقضه بيقين آخر»، وهو يدلُّ على استمرار أحكام اليقين ما لم يثبت الرافع.
واليقين ينتقض بالشكّ في القسم الرابع، لكنَّه لاينتقض به في الأقسام الأخرى، بل ينتقض بيقين آخر؛ فإنَّ النقض عند الشكّ في وجود الرافع يعدُّ نقضا باليقين بوجود ما شكَّ في كونه رافعا، أو باليقين بوجود ما يشكّ في استمرار الحكم معه، لا بالشكّ، فإنَّ الشكّ في تلك الصور حاصل من قبل ولم يكن بسببه نقض، وإنَّما حصل النقض حين اليقين بوجود ما يشكّ في كونه رافعا للحكم بسببه؛ لأنَّ الشيء إنَّما يستند إلى العلة التامَّة أو الجزء الأخير منها، فلا يكون في تلك الصور نقض اليقين بالشكّ. [٢٠١]
ضعَّف الشيخ الأنصاري هذا الرأي وردَّه: بأنَّ النقض في الصور المذكورة من قبيل نقض اليقين بالشكّ لا باليقين، ولو سُلِّم كونه نقضا باليقين فليس يقينا مخالفا، مع أنَّ ذيل الصحيحة: «ولكن تنقضه بيقين آخر» حصر الناقض لليقين السابق في اليقين بخلافه، كما حرَّم هذا الذيل النقض بغيره، سواء أكان شكّا أو يقينا بوجود ما شكَّ في كونه رافعا. [٢٠٢]

القول الحادي عشر: التفصيل المتقدِّم مع زيادة الشكّ في مصداق الغاية

وهو ما يبدو من كلمات المحقّق الخوانساري، ويبني على التفصيل المتقدِّم مع زيادة الشكّ في مصداق الغاية من جهة الاشتباه المصداقي دون المفهومي. [٢٠٣]
اعتمد في استدلاله على رأيه على ما يظهر من الرواية من عدم نقض اليقين بالشكّ، فهي لا تدلُّ إلاَّ على ما ثبت استمراره إلى غاية من جهة الشرع؛ تمسّكا بأنَّ المراد من عدم نقض اليقين بالشك هو عدم النقض عند التعارض، ومعنى التعارض هو أن يكون الشيء موجبا لليقين لولا الشكّ. [٢٠٤] إلاَّ أنَّ هذا الرأي عُدَّ ضعيفا جدا، ورُدَّ بردود كثيرة. [٢٠٥]

القول الثاني عشر: التفصيل بين ما ثبت بدليل عقلي، وبين ما ثبت بدليل شرعي

ممّا ذهب إليه الشيخ الأنصاري هو التفريق بين الحكم الشرعي الثابت بدليل عقلي، سواء أكان حكما عقليا مستقلاً، كحرمة الظلم، أم حكما شرعيا مستندا إلى العقل، مثل حكم الشارع بردّ الوديعة مع حكم العقل بهذا كذلك، وبين الثابت بدليل شرعي تعبُّدي، فلا يجري ـ بناءً على رأيه ـ الاستصحاب الثابت بدليل عقلي إذا طرأ ما يوجب الشكّ فيه كالاضطرار والخوف، بدليل أنَّ موضوعه معلوم تفصيلاً للعقل الحاكم، فإن أدرك العقل بقاء الموضوع في الآن الثاني حكم به حكما قطعيا كما حكم أولاً، وإن أدرك ارتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم، ولو ثبت مثله بدليلٍ لكان حكما جديدا حادثا في موضوع جديد، أي أنَّه لايدخل الشك والإجمال والإهمال في هذه الأحكام بقاءً[٢٠٦]، واختلافه مع الحكم الشرعي في احتمال كون الخصوصية الزائلة التي أوجبت الشكّ من الحالات الطارئة للموضوع بحسب النظرة العرفية وليست من مقوماته. [٢٠٧]
رُدَّ هذا بأمور:
أولاً: يبتني هذا الرأي على أنَّ أحكام العقل تبتني على اكتشاف العقل خصوصية يراها مناطا ويرى لها دخلاً في الحكم. وهذا المبنى غير صحيح، فإنَّ الواقع قد لايكون كذلك، ومن المحتمل أنّ الحكم قد اعتمد خصوصيةً ومناطا آخر، فليس كلّ ما أدركه العقل من خصوصية هي المناط في الحكم، فمن المحتمل أنّ تقبيح العقل للكذب ناشئ عن انعدام فائدة الكذب للكاذب ولغيره، مع أنَّ من المحتمل كفاية ترتُّب الضرر على الكاذب وإن لزم منه حصول النفع للكاذب أو لغيره للحكم بالقبح عقليا. [٢٠٨]
ثانيا: قد نسلِّم عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقلية المستقلة، لكن لا نسلّمه في الأحكام الشرعية المستندة إلى العقل، ومن المحتمل أن يكون ملاك الحكم الشرعي قائما بالأعمّ من الواجد لبعض الخصوصيات، التي أدركها العقل واعتبرها مناطا للحكم، فلا ينحصر هذا الحكم بالواجد لهذه الخصوصيات. [٢٠٩]
ثالثا: دعوى أنَّ الأحكام العقلية كلّها مبيَّنة مفصَّلة لا مجال للشكّ فيها ممَّا لا شاهد عليها، فمن المحتمل أنَّ العقل نفسه شاكٌّ في قبح الكذب غير الضارّ. [٢١٠]
ويعاكس هذا الرأي رأي للمعتزلة، إذ جوّزوا استصحاب الحكم المبني على العقل، ولم يجوّزوا استصحاب الحكم المبني على الشرع.
أوجب أبو الحسين البصري المعتزلي في مثال المتيمِّم إذا رأى الماء قبل صلاته الوضوءَ قبل دخوله في الصلاة وبعد دخوله كذلك، ويرى مقولة: (إنَّ فرض الوضوء يتغيّر بالدخول في الصلاة فعليه الدليل) باطلة، مستدلاً على ذلك بقوله: إن شَرَكَ بين الحالتين في وجوب الوضوء لاشتراكهما فيما دلَّ على وجوب الوضوء، فليس باستصحاب حال الذي ننكره، ويذهبون إليه. وإن شَرَكَ بينهما في الحكم لاشتراكهما في علّته، فهذا قياس. وإن شَرَكَ بينهما بغير دلالة ولا علّة، فليس هو، بأن يجمع بينهما بأولى من أن لايجمع بينهما، أو بأن يجمع بين المسألة وغيرها؛ لأنَّ ذلك قياس بغير علّة.
ويَستدلُّ على جواز الاستصحاب في الحكم الثابت عقليا بقوله: فمثاله أن يقول القائل: المُتيمِّم المصلّي إذا لم يرَ الماء لم يلزمه الطهارة الأخرى، ووجب أن يمضي في صلاته، فكذلك إذا رأى الماء. وهذا يصحّ من وجه دون وجه. أمَّا الوجه الذي لايصحّ منه فهو أن يُسقط عنه طهارة أخرى لأجل سقوطها إذا لم يرَ الماء؛ لأنَّ هذا جمع بين حالتين بغير دلالة ولا علّة. وأمَّا إذا أسقط عنه الوضوء بعد رؤية الماء، لأنَّ إيجابه شرعي فلو كان ثابتا لكان عليه دليل شرعي ـ وليس عليه دليل شرعي ـ فصحيح وإن عورض هذا، فقيل: الأصل في الشرع وجوب الطهارة، فلو سقطت عن الرائي للماء في الصلاة، وهو مُتيمّم، لكان عليه دليل شرعي، لم يسلّم الخصم أنَّ الطهارة واجبة في كلّ حال. وإن رأى المتيمِّم الماء، فإن استدلَّ على وجوب ذلك لعموم الخطاب، كان استدلالاً بالعموم. [٢١١]
رُدَّ هذا: بأنَّه لا حكم للعقل في الشرعيات عند غير المعتزلة، فغيرهم (من السنّة) لايرون حجّية لحكم العقل في الاُمور الشرعية، فضلاً عن استصحابها. [٢١٢]

القول الثالث عشر: حجّيته على المجتهد فيما بينه وبين اللّه‏ تعالى فقط

يذهب هذا الرأي إلى أنَّه حجّة على المجتهد فيما بينه وبين اللّه‏ عزَّ وجلَّ، فإنَّه لم يكلَّف إلاَّ ما يدخل تحت مقدوره، فإذا لم يجد دليلاً سواه جاز له التمسّك به ولايكون حجّة على الخصم عند المناظرة، فإنَّ المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله: لم أجد دليلاً على هذا، لأنَّ التمسّك بالاستصحاب لايكون إلاَّ عند عدم الدليل. [٢١٣]

القول الرابع عشر: أنّه يصلح للدفع لا للرفع

وبعبارة أخرى: يصلح حجّة للدفع لا للرفع، وإليه ذهب أكثر الحنفية[٢١٤]، قال إلكيا: ويعبّرون عن هذا بأنَّ استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان، إحالةً على عدم الدليل، لا لإثبات أمرٍ لم يكن، وهذا قول أكثر المتأخرين. [٢١٥]
هذا التفصيل يذهب إلى أنَّ الاستصحاب حجّة في دفع ونفي أي حكم في المورد الذي يخلو من الحكم بسبب انعدام الدليل، فهو صالح للتعذير وليس حجّة لإثبات حكم لم يكن.
يقول علاء الدين البخاري: وقال أكثر المتأخرين من أصحابنا مثل: القاضي الإمام أبي زيد، والشيخين، وصدر الإسلام أبي اليسر، ومتابعيهم؛ إنَّه لايصلح حجّة لإثبات حكم مبتدأ ولا للإلزام على الخصم بوجه، ولكنَّه يصلح لإيلاء العذر وللدفع، فيجب عليه العمل به في حقِّ نفسه، ولايصحّ له الاحتجاج به على غيره. [٢١٦]
وبنوا على هذا مسائل منها: ما لو شهد شاهدان أنَّ الملك كان للأب المدّعي، والأب ميّت، فإنَّها لا تقبل عن أبي حنيفة؛ لأنَّ الملك ثبت لا بهذه الشهادة، والبقاء بعد الثبوت إنَّما يكون باستصحاب الحال، فيثبت دفعا عن المشهود عليه بحق الشهادة، فإنَّه كان أحد المدّعيين، فأمَّا لإيجاب حكم مبتدأ فلا، وملك الوارث لم يكن، وعلى هذا قالوا: المفقود لايرث أباه، وإن كان الملك ذلك الملك بعينه؛ لأنَّ المالك غير الأوَّل. [٢١٧] استدلَّ على هذا الرأي بدليل عقلي قائم على أساس أنَّ علة الوجود لا تكفي للحكم بالبقاء، فالدليل يوجب الإثبات فقط، والثبوت غير الإثبات وبحاجة إلى دليل آخر، وهو من قبيل الإيجاد فإنَّه يوجب الوجود فقط، والإبقاء بحاجة إلى علّة أخرى. [٢١٨]
رُدَّ هذا بالأمور التالية:
أولاً: أنَّ بقاء الموجود في الحقيقة ثابت بإبقاء اللّه‏ تعالى إيَّاه إلى زمان وجود المزيل، وعليه لا داعي لإبقاء الموجود إلى سبب آخر مضافا إلى سبب الإيجاد. [٢١٩]
ثانيا: هذا الدليل على التفصيل إنَّما يتمُّ إذا لم تكن لنا أدلَّة على الاستصحاب، تعطي صفة البقاء والاستمرار للمستصحب تعبُّدا أمثال: (لا تنقض اليقين بالشكّ)، (فليطرح الشكّ، وليبنِ على ما استيقن)، أمَّا مع قيام هذه الأدلَّة فإنَّ بقاء الحكم تعبُّدا إنَّما يكون مستندا إليها لا إلى دليل الوجود، ليقال بأنَّ الوجود لايصلح أن يكون دليلاً للبقاء. [٢٢٠]
ثالثا: بعد فرض إعطاء الشارع صفة البقاء للمتيقّن، فلا وجه للتفريق بين حالة الإثبات والدفع.[٢٢١]
رابعا: قول الزركشي: «ونحن نسلِّم لهم أنَّ دلالة الثبوت غير دلالة البقاء؛ لأنَّ أحدهما نصٌّ والآخر ظاهر، ولكن لا نقول: البقاء لعدم المزيل، بل لبقاء الدليل الظاهر عليه، وهذا لايجوز أن يكون فيه خلاف».[٢٢٢]

القول الخامس عشر: أنّه حجّة لإبقاء ما كان، ولايصلح حجّة لإثبات ما لم يكن

بناءً على هذا القول يعدُّ الاستصحاب حجّة لإبقاء ما كان، ولايصلح حجّة لإثبات أمر لم يكن، وذلك كحياة المفقود، فإنَّه لمَّا كان الظاهر بقاءها صلح حجّة لإبقاء ما كان فلايورَّث ماله، ولايصلح حجّة لإثبات أمر لم يكن، فلا يرث عن أقاربه.
وقد أورد الزركشي هذا القول والقول الذي سبقه تحت عنوان واحد، ولايبعد أن يكونا متحدي المضمون. [٢٢٣]

القول السادس عشر: أنّه حجّة للذات لا للغير

المنقول في كتب أكثر الحنفية أنَّه لايصلح حجّة على الغير، ولكن يصلح للعذر والدفع. ولايبعد كونه ذات الذي ورد تحت عنوان: (يصلح للدفع لا للرفع)؛ لكونهما وردا عن أكثر الحنفية، كما أنَّ بعضا لم يفرّق بينهما. أو أنّه ذات الذي ورد تحت عنوان: (حجّة على المجتهد فيما بينه وبين اللّه‏ تعالى فقط). [٢٢٤]

القول السابع عشر: جواز الترجيح به فقط

بناءً على هذا لايجوز عدّه دليلاً ولا الاستدلال به، ويجوز الترجيح به لا غير، نقله الأستاذ أبو إسحاق عن الشافعي، وقال: إنَّه الذي يصحُّ عنه، لا أنَّه يحتجُّ به، ويشهد له قول الشافعي: والنساء محرَّمات الفروج، فلا يحلّلنّ إلاَّ بأحد أمرين: نكاح أو ملك يمين، والنكاح ببيان الرسول(ص). قال الروياني: وهذا استدلال الشافعي باستصحاب الحال في جميع هذه المسائل. وقيل: إنَّه نوع من أنواعه، وهو من أقواها، وأجمع أصحابنا على أنَّ الاستصحاب صالح للترجيح، واختلفوا في استصلاحه للدليل، فظاهر كلام الشافعي أنَّه قصد به الترجيح، وهو الظاهر من المذهب. [٢٢٥]

القول الثامن عشر: يصحُّ لنفي ما نُفي، ولا يصحّ لإثبات خلاف قول الخصم

بناءً على هذا القول فإنّ المستصحب للحال إن لم يكن غرضه سوى نفي ما نفاه صحَّ استصحابه، كمن استدلَّ على إبطال بيع الغائب ونكاح المُحرِم والشغار بأنَّ الأصل أنّ لا عقد، فلا يثبت إلاَّ بدلالةٍ ما، وإن كان غرضه إثبات خلاف قول خصمه من وجه يمكن استصحاب الحال في نفي ما أثبته فليس له الاستدلال به، كمن يقول في مسألة الحرام: إنَّه يمين توجب الكفارة. لم يستدل على إبطال قول خصومه بأنَّ الأصل أنّ لا طلاق ولا ظهار ولا لعان، فيعارض بالأصل أنّ لا يمين ولا كفارة، فيتعارض الاستصحابان ويسقطان، حكاه الأستاذ أبو منصور البغدادي عن بعض أصحابنا. [٢٢٦]

الهوامش

  1. تهذيب الأحكام 1 : 8 كتاب الطهارة، باب 1 الأحداث الموجبة للطهارة ح11، وسائل الشيعة 1 : 245 كتاب الطهارة باب (1) من أبواب نواقض الوضوء ح 1.
  2. كفاية الأصول : 389، فوائد الأصول 4 : 334، منتهى الأصول 2 : 412، أصول الفقه الأراكي 2 : 286.
  3. الفوائد المدنية: 290، وانظر : المحكم في أصول الفقه 5: 21 ـ 22.
  4. الحدائق الناضرة 1 : 143.
  5. الفوائد الأصولية : 110.
  6. انظر : أصول الفقه الأراكي 2 : 286 ـ 287.
  7. دراسات في علم الأصول الخوئي 4 : 17.
  8. طه : 7.
  9. الزمر : 7.
  10. فرائد الأصول 3 : 55 ـ 56، كفاية الأصول : 389 ـ 391.
  11. دراسات في علم الأصول الخوئي 4 : 19.
  12. كفاية الأصول : 389 ـ 390.
  13. شرح مختصر المعاني : 55 ـ 56، حاشية الدسوقي على مغني اللبيب 1 : 53.
  14. مباحث الأصول الصدر 5 ق2 : 39، بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 6 : 26.
  15. دراسات في علم الأصول الخوئي 4 : 18.
  16. فوائد الأصول 4 : 336 ـ 337.
  17. كفاية الأصول : 390.
  18. فوائد الأصول 4 : 337.
  19. الاستصحاب كوثراني : 90.
  20. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 28.
  21. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 39.
  22. أنوار الأصول 3 : 289.
  23. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 29.
  24. المصدر السابق : 27 ـ 28.
  25. انظر : فرائد الأصول 3 : 55 ـ 58، كفاية الأصول : 388 ـ 392، فوائد الأصول 4 : 334 ـ 340، دراسات في علم الأصول الخوئي 4 : 16 ـ 23، بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 6 : 26 ـ 39، المحكم في أصول الفقه 5 : 21 ـ 30، أنوار الأصول 3 : 288 ـ 290.
  26. تهذيب الأحكام 1 : 421ـ422 كتاب الطهارة، باب 22 تطهير البدن والثياب من النجاسات ح8 ، الاستبصار 1 : 183 كتاب الطهارة، باب (109) الرجل يصلّي في ثوب فيه نجاسة قبل أن يعلم ح13.
  27. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 45.
  28. دراسات في علم الأصول الخوئي 4 : 23 ـ 25.
  29. كفاية الأصول : 393.
  30. انظر : بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 46 ـ 47، فرائد الأصول 3 : 58 ـ 62.
  31. أنوار الأصول 3 : 293.
  32. انظر : فرائد الأصول 3 : 58 ـ 62، كفاية الأصول : 392 ـ 395، فوائد الأصول 4 : 340 ـ 358، الاستصحاب الخميني : 40 ـ 49، دراسات في علم الأصول (الخوئي) 4 : 23 ـ 30، بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 6 : 39 ـ 69، أنوار الأصول 3 : 290 ـ 295، المحكم في أصول الفقه 5 : 30 ـ 39.
  33. الكافي 3 : 351 ـ 352 كتاب الصلاة، باب السهو في الثلاث والأربع ح3، تهذيب الأحكام 2 : 186 كتاب الصلاة، باب 10 أحكام السهو في الصلاة ح41.
  34. صحيح مسلم 1 : 400 كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب 19 السهو في الصلاة والسجود له ح88 ، سنن الدارقطني 1 : 371 كتاب الصلاة، باب صفة السهو في الصلاة وأحكامه ح20.
  35. مسند أحمد 3 : 485 ـ 486 ح11292، نصب الراية 2 : 174.
  36. سنن ابن ماجة 1 : 382 كتاب إقامة الصلاة، باب 132 ما جاء فيمن شك في صلاته فرجع إلى اليقين ح1210، سنن النسائي 3 : 27 كتاب الصلاة، باب اتمام المصلّي على ما ذكر إذا شكّ.
  37. انظر : الأشباه والنظائر السيوطي : 50 ـ 51، القواعد الفقهية (محمد بكر) : 55 ـ 56.
  38. كفاية الأصول : 395 ـ 396.
  39. انظر : الانتصار : 155 ـ 156، فرائد الأصول 3 : 63 ـ 64، فوائد الأصول 4 : 361.
  40. الاستصحاب الخميني : 56، بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 6 : 70، مباحث الأصول (الصدر) 5 ق 2 : 113.
  41. انظر : فرائد الأصول 3 : 64 ـ 65.
  42. انظر : كفاية الأصول : 396.
  43. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 74.
  44. نهاية الأفكار 4 ق 1 : 55 ـ 63.
  45. الكافي 4 : 83 كتاب الصيام، باب اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان هو أم من شعبان ح9.
  46. فوائد الأصول 4 : 360، وانظر : دروس في علم الأصول 2 : 463 ـ 464، بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 72.
  47. فوائد الأصول 4 : 360.
  48. دروس في علم الأصول 2 : 464، بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 74.
  49. دروس في علم الأصول 2 : 464.
  50. كفاية الأصول : 396.
  51. أنوار الأصول 3 : 298 ـ 299.
  52. من لايحضره الفقيه 1 : 231 باب 49 أحكام السهو في الصلاة ح42، وسائل الشيعة 8 : 212 كتاب الصلاة باب (8) من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح2.
  53. انظر: فرائد الأصول 3: 67، المحكم في أصول الفقه 5: 45 ـ 46.
  54. مباحث الأصول الصدر 5 ق 2 : 145 ـ 148، وانظر : بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 6 : 86 ـ 87 ، دراسات في علم الأصول (الخوئي) 4 : 35 ـ 36.
  55. تهذيب الأحكام 4 : 159 كتاب الصيام، باب علامة أول شهر رمضان وآخره ح17، الاستبصار 2 : 64 كتاب الصيام، باب علامة أول يوم من شهر رمضان ح12.
  56. المحكم في أصول الفقه 5 : 56.
  57. رجال الطوسي : 388، الرقم 5712 وفيه : علي بن محمّد القاساني.
  58. رجال النجاشي : 255 ـ 256، الرقم 669.
  59. رجال الطوسي : 388، الرقم 5711.
  60. الاستصحاب الخميني : 59.
  61. فرائد الأصول 3 : 71.
  62. المحكم في أصول الفقه 5 : 56.
  63. فوائد الأصول 4 : 366.
  64. الاستصحاب الخميني : 59، تنقيح الأصول (الخميني) 4 : 65 ـ 66.
  65. الخصال : 619، وسائل الشيعة 1 : 246 ـ 247 كتاب الطهارة، باب 1 من أبواب نواقض الوضوء ح6.
  66. مستدرك الوسائل 1 : 228 كتاب الطهارة، باب 1 من أبواب نواقض الوضوء ح4.
  67. انظر : كفاية الأصول : 396 ـ 397، الاستصحاب الخميني : 58، المحكم في أصول الفقه 5 : 47 ـ 55،
  68. رجال ابن داود : 267، الرقم 404.
  69. خلاصة الأقوال : 389، الرقم 1563.
  70. أنوار الأصول 3 : 301.
  71. أنوار الأصول 3: 301.
  72. فوائد الأصول 4 : 365 ـ 366.
  73. الكافي 5 : 313 كتاب المعيشة، باب النوادر ح40، تهذيب الأحكام 7 : 226 باب من الزيادات ح9، وسائل الشيعة 17 : 89 ، باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4.
  74. تهذيب الأحكام 1 : 285 كتاب الطهارة، باب 12 تطهير الثياب وغيرها من النجاسات ح119، وسائل الشيعة 3 : 467، كتاب الطهارة باب (37) من أبواب النجاسات، ح 4.
  75. انظر : فرائد الأصول 3 : 72 ـ 77، كفاية الاصول : 398 ـ 399، فوائد الأصول 4 : 366 ـ 371، أجود التقريرات 4 : 57 ـ 65، الاستصحاب الخميني : 60 ـ 63، دراسات في علم الأصول (الخوئي) 4 : 39 ـ 45، مباحث الأصول (الصدر) 5 ق 2 : 160 ـ 184، بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 6 : 97 ـ 110، المحكم في أصول الفقه 5 : 58 ـ 65، أنوار الأصول 3 : 305 ـ 310.
  76. كالفاضل التوني في الوافية : 206.
  77. انظر : المصدر السابق : 207 ـ 208.
  78. انظر : الرواية التاسعة من هذا الدليل السنّة.
  79. الأشباه والنظائر السيوطي : 7.
  80. ذكره الحافظ ابن حجر وقال : هذا الحديث تبع في إيراده الغزالي، وهو تبع الإمام، وكذا ذكره الماوردي، وقال ابن الرفعة في المطلب : لم أظفر به، يعني هذا الحديث، وقد ذكره البيهقي في الخلافيات عن الربيع عن الشافعي أنّه قال : قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : ... ، فذكره بغير إسناد، دون قوله : فيقول أحدثت أحدثت، وذكر المزني في المختصر عن الشافعي نحوه بغير إسناد أيضا، انظر : تلخيص الحبير 1 : 128.
  81. سنن أبي داود 1 : 45 كتاب الطهارة، باب اذا شك في الحدث ح177، السنن الكبرى البيهقي 2 : 254، كتاب الصلاة، باب من أحدث في صلاته، من حديث أبي هريرة.
  82. صحيح مسلم 1 : 276 كتاب الحيض، باب 26 الدليل على أنّه من تيقّن الطهارة ثمّ شكّ في الحدث فله أن يصلّي بطهارته تلك ح99، كنز العمّال 9 : 330 ح26273.
  83. انظر : صحيح البخاري 1 : 64 كتاب الوضوء، باب 4 لايتوضأ من الشكّ حتى يستيقن ح137، صحيح مسلم 1 : 276، كتاب الحيض، باب (26) الدليل على أنّه من تيقّن الطهارة ثمّ شكّ في الحدث فله أن يصلّي بطهارته تلك ح98.
  84. انظر : الأشباه والنظائر السيوطي : 7، 51، والأشباه والنظائر (ابن نجيم) : 60.
  85. الأشباه والنظائر السبكي 1 : 13.
  86. شرح القواعد الفقهية : 87 ـ 88 .
  87. القواعد الفقهية الندوي : 324.
  88. صحيح مسلم 3 : 1531 كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلّمة ح6، السنن الكبرى البيهقي 9 : 244 كتاب الصيد والذباحة، باب الرجل يدرك صيده حيّا، كنز العمّال 9 : 236 كتاب الصيد ح 25813، وورد في الكتب الحديثية الأخرى بألفاظ مختلفة.
  89. أعلام الموقّعين 1 : 340.
  90. مبادئ الوصول : 251.
  91. نهاية الوصول 4 : 366، وانظر : فرائد الأصول 3 : 53.
  92. الذريعة : 829 ـ 830 .
  93. انظر : فرائد الأصول 3 : 53 ـ 54، كفاية الاصول : 388، مصباح الاصول 3 : 13، المحكم في أصول الفقه 5 : 17.
  94. الإحكام الآمدي 3ـ4 : 367.
  95. المسوّدة : 434.
  96. إرشاد الفحول 2 : 257 ـ 258.
  97. أصول الفقه : 322
  98. انظر : البحر المحيط 6 : 20.
  99. الأصول العامة للفقه المقارن : 447.
  100. الاستصحاب كوثراني : 105.
  101. مبادئ الوصول : 251.
  102. الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 368.
  103. الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 368، نهاية الوصول (العلاّمة الحلّي) 4 : 367.
  104. المحصول الرازي 2 : 549 ـ 550، نفائس الأصول 9 : 4187 ـ 4188.
  105. الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 171.
  106. الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 172.
  107. كفاية الأصول : 388.
  108. أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 294.
  109. روضة الناظر : 79، وانظر : الجواهر الثمينة : 229.
  110. انظر : الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 369.
  111. الإحكام الآمدي 3 ـ 4  : 369 ـ 370 .
  112. انظر : كشف الأسرار البخاري 3 : 667، الوافية : 200، فرائد الأصول 3 : 53 ـ 54، كفاية الأصول : 388، أصول الفقه (المظفر) 3ـ4 : 295 ـ 296، الأصول العامة للفقه المقارن : 446 ـ 447، بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 6 : 19 ـ 20.
  113. انظر : أصول الفقه محمد أبو النور : 3 ـ 4 : 392 ـ 394.
  114. فرائد الأصول 3 : 54.
  115. انظر : معارج الأصول : 207، معالم الدين : 234.
  116. انظر : أنوار الأصول 3 : 287.
  117. المحصول الرازي 2 : 559.
  118. الإحكام 3 ـ 4 : 367 ـ 368.
  119. الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 369.
  120. نهاية الوصول 4 : 366.
  121. الفصول الغروية : 369، نهاية الأفكار 4 ق1 : 33.
  122. انظر : القوانين المحكمة : 280، الفصول الغروية : 369، فرائد الأصول 3 : 95.
  123. انظر : أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 290 ـ 291.
  124. كفاية الأصول : 387.
  125. فرائد الأصول 3 : 95.
  126. فوائد الأصول 4 : 332.
  127. أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 292 ـ 293.
  128. انظر : فوائد الأصول 4 : 333 ـ 334.
  129. كفاية الأصول : 387.
  130. أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 294.
  131. أنوار الأصول 3 : 284.
  132. أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 294.
  133. كشف الأسرار 3 : 665، 668.
  134. الذريعة 2 : 829 ـ 833 .
  135. النجم : 28.
  136. الكافي 1 : 68 كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث ح10، من لايحضره الفقيه 3 : 9 أبواب القضايا والأحكام ، باب 9 الاتفاق على عدلين في الحكومة ح2.
  137. نيل الأوطار 8 : 271، عون المعبود 13  : 185 .
  138. انظر : القوانين المحكمة : 285.
  139. الحدائق الناضرة 1 : 55.
  140. انظر : الذريعة 2 : 832 .
  141. معارج الأصول : 209.
  142. الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 370، وانظر : فرائد الأصول 3 : 101.
  143. شرح مختصر المنتهى 3 : 564، وانظر : الاستصحاب كوثراني : 132.
  144. الإحكام الآمدي 3 ـ 4 : 373، وانظر : الاستصحاب (كوثراني) : 132.
  145. شرح مختصر المنتهى 3 : 564 ـ 565، وانظر : الاستصحاب كوثراني : 133.
  146. كشف الأسرار البخاري 3 : 665 ـ 666.
  147. الاستصحاب كوثراني : 134.
  148. شرح مختصر المنتهى 3 : 563.
  149. حاشية التفتازاني 3 : 565.
  150. الذريعة 2 : 834 ـ 836 ، وانظر : المستصفى 1 : 237، أعلام الموقّعين 1 : 339.
  151. فرائد الأصول 3 : 111.
  152. الاستصحاب كوثراني : 143.
  153. مباني الاستنباط 4 : 183، الاستصحاب الكوثراني : 143.
  154. انظر : شرح الوافية : 339، فرائد الأصول 3 : 35، 111.
  155. القوانين المحكمة : 285، وانظر : ذخيرة المعاد : 115 ـ 116.
  156. انظر : القوانين المحكمة : 286، فرائد الأصول 3 : 111 ـ 115، الاستصحاب كوثراني : 146.
  157. آراؤنا في أصول الفقه 3: 26 ـ 27، الاستصحاب كوثراني: 147.
  158. الفوائد المدنية : 284 ـ 289 وانظر : الوافية : 212 ـ 213.
  159. الاستصحاب كوثراني : 147 ـ 148.
  160. المصدر السابق : 148.
  161. فرائد الأصول 3 : 119 ـ 120، كفاية الاصول : 385 ـ 386.
  162. انظر: مصباح الأصول 3: 36 ـ 47، مباني الاستنباط 4: 67 ـ 76.
  163. انظر : بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 127 ـ 151، مباني الاستنباط 4 : 89 ـ 90، الاستصحاب (كوثراني) : 150.
  164. شرح الوافية : 339، وانظر : فرائد الأصول 3 : 49 ـ 50.
  165. انظر : فرائد الأصول 3 : 121.
  166. الوافية : 200 ـ 202.
  167. المصدر السابق : 202 ـ 203.
  168. نهاية الأفكار 4 ق1 : 87 .
  169. المصدر السابق.
  170. فوائد الأصول 4 : 384 ـ 387.
  171. انظر : فرائد الأصول 3 : 121 ـ 148.
  172. البحر المحيط 6 : 21، إرشاد الفحول 2 : 257.
  173. البحر المحيط 6 : 22، إرشاد الفحول 2 : 258 وانظر : التبصرة : 526، المستصفى 1 : 239.
  174. نقله قولهما الزركشي في البحر المحيط 6 : 22، والشوكاني في إرشاد الفحول 2 : 258.
  175. أعلام الموقّعين 1 : 341 ـ 342.
  176. أعلام الموقّعين 1 : 343، وانظر : أصول الفقه الإسلامي الزحيلي 2 : 866 .
  177. المستصفى 1 : 239 ـ 241، وانظر : كتاب التلخيص في أصول الفقه 3 : 132 ـ 134، روضة الناظر : 80 ـ 81 .
  178. فرائد الأصول 3 : 155 ـ 156.
  179. المصدر السابق : 157.
  180. الاستصحاب كوثراني : 165 ـ 166.
  181. معارج الأصول  : 206 ـ 207 .
  182. مشارق الشموس : 76.
  183. فرائد الأصول 3 : 51، 159 ـ 160.
  184. معارج الأصول : 209 ـ 210.
  185. فرائد الأصول 3 : 160.
  186. المصدر السابق : 46 ـ 47.
  187. أنوار الأصول 3 : 317.
  188. انظر : فوائد الأصول 4 : 314 ـ 316، دراسات في علم الأصول الخوئي 4 : 47 ـ 49.
  189. فرائد الأصول 3 : 160.
  190. مباني الاستنباط 4 : 61 ـ 63.
  191. المصدر السابق : 63 ـ 64.
  192. أصول الفقه المظفر 3ـ4 : 320، بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 6 : 158، مباحث الأصول (الصدر) 5 ق2 : 232.
  193. أصول الفقه المظفر 3ـ4 : 320 ـ 321.
  194. كفاية الأصول : 391 ـ 392.
  195. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 160.
  196. أنوار الأصول 3 : 320 ـ 321.
  197. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 163 ـ 164.
  198. القوانين المحكمة : 279.
  199. فرائد الأصول 3 : 165 ـ 166، وانظر: ذخيرة المعاد: 115 ـ 116.
  200. فرائد الأصول 3 : 50.
  201. ذخيرة المعاد : 115 ـ 116.
  202. فرائد الأصول 3 : 166 ـ 168.
  203. فرائد الأصول 3 : 50، 169 ـ 177، وانظر : مشارق الشموس : 75 ـ 76.
  204. القوانين المحكمة : 281.
  205. انظر : القوانين المحكمة : 282، فرائد الأصول 3 : 177 ـ 181.
  206. فرائد الأصول 3 : 215 ـ 216.
  207. مباني الاستنباط 4 : 45.
  208. فوائد الأصول 4 : 321.
  209. المصدر السابق : 322، 451 ـ 452.
  210. فوائد الاصول 4 : 451، وانظر : مباني الاستنباط 4 : 48 ـ 50، الاستصحاب كوثراني : 151 ـ 153.
  211. المعتمد 2 : 325 ـ 327.
  212. ميزان الأصول 2 : 936 ـ 937، البحر المحيط 6 : 21، إرشاد الفحول 2 : 257.
  213. إرشاد الفحول 2 : 256، وانظر : كتاب التلخيص في أصول الفقه 3 : 130ـ131، الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 171، البحر المحيط 6 : 18.
  214. أصول السرخسي 2 : 224 ـ 225، ميزان الأصول 2 : 934، كشف الأسرار البخاري 3 : 662.
  215. البحر المحيط 6 : 19، إرشاد الفحول 2 : 257.
  216. كشف الأسرار 3 : 662، وانظر : تقويم الأدلة : 400، أصول السرخسي 2 : 224 ـ 225، أصول البزدوي 3 : 663.
  217. البحر المحيط 6 : 19.
  218. كشف الأسرار البخاري 3 : 666.
  219. المصدر السابق : 667.
  220. الاستصحاب كوثراني : 139.
  221. المصدر السابق.
  222. البحر المحيط 6 : 19.
  223. البحر المحيط 6 : 18، إرشاد الفحول 2 : 256.
  224. الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 171، البحر المحيط 6 : 18، إرشاد الفحول 2 : 256.
  225. البحر المحيط 6 : 19، وانظر : البرهان في أصول الفقه 2 : 171، الإحكام الآمدي 3ـ4 : 367، نفائس الأصول 9 : 4207، إرشاد الفحول 2 : 257.
  226. البحر المحيط 6 : 19 ـ 20، إرشاد الفحول 2 : 257.