أقسام الاستحسان

مراجعة ٢١:٠٥، ١٤ مارس ٢٠٢١ بواسطة Mohsenmadani (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)

أقسام الاستحسان: الاستحسان اصطلاحٌ أصوليٌ وفقهيٌ، وهو عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد، يعجز عن التعبير عنه، أو لا يقدر على إظهاره؛ لعدم مساعدة العبارة عنه، أو ما استحسنه المجتهد بلا دليل. وهناک من يقول بحجية الاستحسان وهو أکثرهم، ولکن الشافعية والإمامية ينکرونها.

أقسام الاستحسان

باعتبار العلاقة بين القياس والاستحسان على بعض معانيه، والتي هي علاقة تعارض بين قياسين أو استثناء، أو علاقة تخصيص أو تقييد، ينقسم الاستحسان إلى الأقسام التالية التي هي في الحقيقة عبارة عن مناشئ الاستحسان، من نصٍّ أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو مصلحة.[١]

1 ـ استحسان السنّة

وهو أن يثبت من السنّة ما يوجب ردّ القياس في موضعها، من قبيل تصحيح الصيام عند الأكل والشرب نسيانا، فإنَّ القياس يستلزم بطلان الصوم لكن ورد في السنَّة ما يصحِّح هذا الصوم.[٢] ويدعى استحسان النصّ كذلك[٣]، باعتبار أنَّ النصَّ الذي يوجب ردّ القياس قد يكون من القرآن ولايختص بالسنّة، والتسمية بالسنّة باعتبار الغالب. ومثِّل لذلك بقوله تعالى: «من بعد وصيَّة يوصي بها أو دين»[٤]، فإنَّه يردُّ القياس القاضي هنا بعدم جواز الوصية وعدم شرعيتها؛ لكونها تمليكا مضافا إلى زمن ينقطع فيه سلطان التملك وهو ما بعد الموت.[٥]

2 ـ استحسان الإجماع

وهو عبارة عن تخصيص القياس بداعي انعقاد الإجماع على ما يخصّصه في الموضع المجمع عليه، كانعقاد إجماع المسلمين على صحَّة عقد الاستصناع[٦] وإن كان القياس يستوجب بطلانه.[٧]

3 ـ استحسان الضرورة

أن تكون هناك ضرورة تدعو المجتهد لرفع اليد عن القياس، من قبيل الحكم بطهارة الآبار والحياض بعد تنجُّسها، فإنَّ القياس يستوجب الحكم بنجاستها، لكن الحرج الذي يتبع ذلك يفرض على المجتهد الحكم بالطهارة[٨]، وفي توضيح الضرورة هنا يقول علاء الدين البخاري: فإنَّ القياس نافي طهارة هذه الأشياء بعد تنجُّسها؛ لأنَّه لايمكن صبّ الماء على الحوض أو البئر ليتطهَّر، وكذا الماء الداخل في الحوض أو الذي ينبع من البئر تتنجس بـ : ملاقاة النَّجس، والدلو تتنجَّس أيضا بملاقاة الماء، فلا تزال تعود وهي نجسة.[٩]

4 ـ الاستحسان بالمصلحة

وهو عبارة عن الأخذ بمصلحة هي أقرب إلى مورد الشرع، فيها تحقيق مصلحة أو درء مفسدة، من قبيل تجويز أبي حنيفة الزكاة لبني هاشم رعايةً لمصالحهم وحفظا لهم من الضياع[١٠]، رغم أنَّ القياس يقضي بحرمته لهم. [١١] هذا بناءً على التفريق بين الاستحسان والمصالح المرسلة، كما تذهب إليه جُلّ التعاريف، وأنَّ الفرق الدقيق بينهما في أنَّ الاستحسان استثناء من القواعد، بينما المصالح المرسلة دليل بحدِّ ذاتها حيث لا دليل. [١٢]

5 ـ الاستحسان بالعرف

وهو عبارة عن تقديم العمل بالعرف ورفع اليد عن القياس، إذا نتج عن تطبيق القياس غلو أو ضرر كبير، من قبيل صحَّة إجارة الحمَّام بأجرة معيَّنة دون تحديد مقدار الماء المستعمل ومدَّة البقاء فيه، رغم أنَّ القياس يقتضي عدم الجواز إلاَّ بعد التحديد؛ وذلك لأنَّ العرف السائد بين الناس يقتضي التساهل في الأشياء الصغيرة، وعدم التساهل هنا يستلزم ضررا كبيرا وإخلالاً في مورد من موارد النظم الاجتماعي. [١٣]. وكذلك من حلف أن لا يأكل لحما فأكل سمكا، لا يُعدُّ حانثا للحلف؛ لأنَّ العرف لايعدُّ السمك لحما، رغم أنَّ القياس يقضي بكونه حنثا. [١٤]

تقسيمات الحنفية

والحنفية يسبقون التقسيم الماضي بتقسيم آخر للاستحسان، وهو:

الأوَّل: استحسان القياس

وهو أن يكون وصفان يقتضيان قياسين متباينين: أحدهما ظاهر متبادر، وهو القياس الاصطلاحي، والآخر خفي يقتضي الإلحاق بأصل آخر، فالثاني يسمى استحسانا. ويمثّلون لهذا القياس بالستر للمرأة، حيث القواعد والقياسات تقتضي حرمة النظر إلى بدن المرأة مطلقا، والاستحسان في إباحة النظر للطبيب عند المعالجة، فالوصف الجلي هنا هو كون جسمها عورة يؤدي الى الفتنة، والوصف الخفي هو لزوم المشقة أحيانا.

والثاني: الاستحسان المسبَّب عن معارضة القياس

لأدلة شرعية أخرى، وهو الذي ينشأ عنوجود دليل يعارض القياس، وهذا هو الذي يقسَّم إلى استحسان السنّة والإجماع والضرورة. [١٥]
وقد يقال بأنّ الأول ليس استحسانا بل قياسا، وقد يقال بأنّ الاستحسان هو القياس ومن مصاديقه، وفرّقوا بينه وبين الأقسام الثلاثة المتقدمة في إمكانية التعدّي والتعميم فيه، وعدم إمكانية ذلك في الثلاثة؛ باعتبارها واردة في موارد خاصة تخصّ مواردها ولا تتعداها، كما أ نّها غير معلولة، بينما استحسان القياس معلَّل فيمكن تعديته، ومثَّلوا للتعدية بتحالف البائع والمشتري إذا اختلفا في مقدار الثمن قبل قبض المبيع، وهو ثابت بالاستحسان عن طريق القياس الخفي، ويمكن تعديته إلى ورثتهما وإلى الإجارة كذلك. [١٦]

المصادر

  1. انظر : اللمع : 244 ـ 245، أصول السرخسي 2 : 202، كشف الأسرار البخاري 4 : 10، المسوّدة : 405، أصول الفقه ابن مفلح 4 : 1465.
  2. أصول السرخسي 2 : 202، أصول الفقه أبو زهرة : 249.
  3. أصول الفقه البرديسي : 292.
  4. النساء : 11.
  5. نظرية الاستحسان : 32.
  6. الاستصناع : هو أن يطلب شخص من صاحب حرفة أو مهنة أو من شركة صناعة سلعة بكذا كمية، ويبرم الطرفان عقدا بناءً على هذا الطلب، والإشكال المحتمل في هذا العقد ناشئ عن عدم وجود السلعة المبيع حين العقد.
  7. أصول السرخسي 2 : 203، أصول الفقه أبو زهرة : 249.
  8. أصول السرخسي 2 : 203، أصول الفقه ابو زهرة : 249.
  9. كشف الأسرار 4 : 11.
  10. على أنّ رأي الشيعة في باب الخمس هو عدم الاختصاص بغنائم الحرب، وعليه يكون الخمس متوافرا حتَّى في عصرنا الحاضر، ولاينقطع سبيل الإحسان إلى الهاشميين على مرِّ العصور.
  11. أصول الفقه البرديسي : 301، نظرية الاستحسان : 38 ـ 39.
  12. انظر : أصول الفقه أبو زهرة : 246 ـ 247.
  13. نظرية الاستحسان : 39 ـ 40.
  14. أصول الفقه البرديسي : 299.
  15. انظر : أصول الفقه أبو زهرة : 247 ـ 249، أصول الفقه (البرديسي) : 297 ـ 298، الوجيز في أصول الفقه (عوض أحمد إدريس) : 66 ـ 68.
  16. أصول الفقه ابن مفلح 4 : 1466، أصول الفقه (البرديسي) : 306 ـ 307.